منير شفيق: حوار في موضوع التغيير مع برهان غليون

يونيو 25th, 2008 كتبها سعيد حفضان نشر في , إسلاميات, فكر

حوار في موضوع التغيير مع برهان غليون

منير شفيق*

       كتب الدكتور برهان غليون الأستاذ في جامعة السوربون الباريسية مقالة تحت عنوان “في أصل الخوف العربي من التغيير”، الجزيرة.نت، في 23/ 11/2007، الموافق 13/11/1428هـ. ويفترض بهذه المقالة بسبب جدّتها بأن تكون خلاصة ما توصل إليه الكاتب حول أشكال التغيير العربي. ولهذا استحقت أن تقرأ تفصيلاً وبتمعن، ويقوّم ما ذهبت إليه. طبعاً لأهمية الموضوع وإشكاليته الراهنة.
       يبدأ الأستاذ برهان مقالته كما يلي: “بالرغم من تفاقم القطيعة بين النخب الحاكمة والشعوب وفقدان هذه الأخيرة الثقة بالنظم التسّلطية القائمة، فإن الغالبية العظمى من الرأي العام لا تزال تنظر بصورة سلبية، إن لم تكن بروح الشك، إلى فكرة التغيير“.
       ثمة ملحوظتان هنا الأولى ان ثمة قطيعة متفاقمة بين الحكام والشعوب، والشعوب فاقدة الثقة بالنظم التسّلطية. فالصفة الأساسية للنظم هي التسّلطية وليس سياسات الأنظمة في المجالات المتعدّدة ولا سيما في الموقف من القضية الفلسطينية والعدوان العسكري ومواجهة التحدّيات الخارجية. فالتسّلط هو السمة الأساسية بلا سياسة أو إقتصاد أو تبعية أو فساد. فالتبعية السياسية والإقتصادية، مثلاً، متوفرّة بسخاء في نظم توصف بالديمقراطية كما نشهد في دول شرق أوروبا. ومن ثم لا يكفي التسّلط للدلالة على السياسة والطبيعة الإقتصادية، مثلاً مقابلاً أيضاً، كوبا والصين والبعض يعتبر نظام هوغو شافيز متسّلطاً.
       الملحوظة الثانية، وندّخرها لتذكير لاحق سريع، وهي قولة “ان الغالبية العظمى من الرأي العام تنظر بسلبية وشك إلى فكرة التغيير” لأننا سنقرأ لبرهان غليون في الفقرة التالية التي يفسّر بها سبب هذه النظرة وهي كون الرأي العام يرى التغيير تغييراً في “أشخاص الممسكين بالسلطة والقابضين عليها” ما هو آت:
       “وهذا ما يفسّر عزلة حركات المعارضة العربية وضيق القاعدة الاجتماعية التي تستند إليها، كما يفسر من وراء ذلك مأزق التغيير وانسداد آفاقه في المجتمعات العربية بالرغم  من الشعور العميق  بالحاجة إليه  وضرورته وحتميته  عند جميع  الأفراد، ليس في المجتمع فقط ولكن في الحكم أيضا”.
       هنا ثمة إشكال بين ما أشير إليه من نظرة “الغالبية العظمى من الرأي العامإلى فكرة التغيير (الفطرة السلبية) وما يسميهالشعور العميق بالحاجة إليه وضرورته وحتميته عند جميع الأفراد في المجتمع“، وحتى لدى النخب الحاكمة، فإذا كانت الغالبية العظمى من الرأي العام يشملها هذا “الشعور العميق بالحاجة إلى التغيير وضرورته وحتميته” ولا يستثني أحداً، كما يبدو فسوف نجد أنفسنا أمام تناقض بين نظرة سلبية، وبروح الشك إلى فكرة التغيير من جهة وبين الشعور العميق، من جهة أخرى “بالحاجة إليه وضرورته وحتميته” وهذا في الأقل لا يمكن أن يوصف بالسلبية، إن لم يكن بروح الشك. فالضرورة والحتمية غير السلبية والشك.
        ومع ذلك لنفترض ان التناقض الآنف الذكر شكلي وثانوي في ما سيليه من موقف متماسك في تفسير أشكال التغيير العربي. ولهذا سنتابع:
       “وبسبب غياب البعد الفكري والأخلاقي للتغيير لا تدفع الضغوط القوية التي يتعرض لها المجتمع إلى التحرك نحو الأمام كما هو الحال في المجتمعات السليمة البناء، وإنما يتجلى عبر توسّع دائرة الانفجارات والنـزاعات الداخلية الطائفية والمذهبية والقومية، وبالتالي عبر الدوران في حلقة مفرغة، مما يزيد من غرق المجتمع في الأزمة وإحباط فئاته الإجتماعية وغضبها جميعاً”.
       مع الجملة الأولى في هذه الفقرة يقرّر الكاتب ان ثمة غياباً للبعد الفكري والأخلاقي للتغيير. وهذا يعني ان الشعور العميق لدى كل فرد بالحاجة إلى التغيير وضرورته وحتميته، هو بلا بعد فكري وأخلاقي. أي لدينا شعور مجرد من الوعي والأخلاق. ثم يزيد الطين بِلّة حين يحكم انه بسبب غياب البعد الفكري والأخلاقي (ليس هنالك شعور عام أو وعي بلا أبعاد فكرية وأخلاقية)، “لا تدفع الضغوط القوية مجتمعاتنا إلى التحرك نحو الأمام كما هو الحال في المجتمعات السليمة البناء”.
       هنا ربط التحرك إلى أمام بوجود “البعد الفكري والأخلاقي” من جهة وبفرضية “المجتمعات السليمة البناء” من جهة أخرى. وذلك من دون أن يخطر له على بال ان التحرك إلى أمام في التغيير يحتاج إلى شروط موضوعية وذاتية وظروف وموازين قوى محدّدة، وليس إلى “البعد الفكري والأخلاقي” فقط، حتى لو كان في ذهنه بُعد فكري وأخلاقي محدّد.
        إن إشكالية متى تتحرك المجتمعات للتغيير: الثورات أو الإنتفاضات العامة أو التغيير الإصلاحي المتدرّج محكومة بشروط وسنن قتلت بحثاً من المهتمين في موضوع التغيير ولم تحصر يوماً بوجود أو غياب “البعد الفكري والأخلاقي” سواء أتوفر على القياس الذي يضمره أو يريده برهان غليون أم توفر ضمن محتويات أخرى للبعد الفكري والأخلاقي. فالمسألة هنا تدخل ضمن فهم أعمق لقوانين التغيير بمختلف الأساليب التي عرفتها الشعوب وفي مقدّمها العرب في تاريخهم القديم والحديث، ولا يمكن حشرها بفرضية “غياب البعد الفكري والأخلاقي”، ولا بفرضية “المجتمعات السليمة البناء”. ويا ليت برهان غليون ضرب لنا مثلاً على تلك “المجتمعات السليمة البناء”، وإذا كانت المشكلة عربية فيا ليته فسّر لنا كيف صنعت هذه المجتمعات أكبر ثورة في التاريخ (ثورة الإسلام الأولى) وكيف حملت حضارة سادت العالم لمئات السنين، وكيف نجح تاريخها قديماً وحديثاً بالتغيير وحركات التغيير وبالثورات وألوان المقاومة والممانعة. وهذا لا يقتصر  على أن نقصد بالتغيير التغييرات التي حدثت للخلاص من الغزوات الفرنجية، أو لدحر الهجمة المغولية، وغيرها وغيرها وكلها كانت من صنع المجتمعات وليس بجهد القادة فقط. أو نذكر بتلك الإنتفاضة الشعبية التي أتت بمحمد علي وما حدث من نهضة في عهد محمد علي، وما شنّ من مقاومات مسلحة وسلمية ضد الإستعمار أو في مواجهة الغزو الصهيوني. فهل هذا يحرم مجتمعاتنا من أن تكون في إطار “المجتمعات السليمة البناء”، ويا ليته مرة أخرى أخبرنا أين هي تلك المجتمعات، وكيف تتميّز عن شعوبنا؟
       الإنسداد في التغيير الذي يشير إليه برهان غليون ويقصد التغيير الديمقراطي ينطبق عليه أيضاً، ما أشير إليه أعلاه من ضرورة توفر أو عدم توفر شروط التغيير وهذه مسألة تراكمية لا تحدث في تاريخ الشعوب يومياً. فما من ثورة وما من تغيير إلاّ ومضى على مجتمعه حين من الدهر، وفي الأغلب طويل، قبل أن تتوفر شروطه. ولو نـُظر إلى الوضع ق

المزيد


جمود الفكر ..كيف نفسره ؟؟

فبراير 17th, 2008 كتبها سعيد حفضان نشر في , فكر

جمود الفكر ..كيف نفسره ؟؟

لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

محمد جابر الأنصاري
أزمات الإجتماع والسياسة في الوطن العربي مقلقة ومؤلمة …ولكن الأكثر إقلاقا وإيلاما أزمة الثقافة والفكر …بل عقم الثقافة والفكر وإفلاسهما ..
فإن تكون ثمة أزمة في المجتمع في الأمة …معنى هذا أن هناك مخاضا يجري وتحولا من طور إلى آخر , ومن مستوى إلى آخر …وأن شيئا جديدا يتبلور …أو لابد ان يتبلور نهاية المطاف …مهما طال الزمن..
ولكن أن تصل أزمة الثقافة والفكر إلى حد الإفلاس مع كل هذه المعاناة التي تعانيها الأمة وأجيالها في مختلف مجالات الحياة , وبهذه الدرجة من القسوة وشدة التازم , فهذا يدعو إلى القلق حقا وإلى الحيرة , وإلى التخوف على مصير هذه الأمة بشكل عميق .
ذلك أن الفكر بطبيعته وفطرته , وبحكم دوره في الحياة والحضارة , يزدهر في اوقات النكبات ويشرئب في وجه التحديات , ويتصدى للبحث عن أسبابها ووسائل علاجها , ويغوص عميقا في أسرارها وخفاياها إلى أن يقدم لها الحلول ويرسم لها طرق التجاوز والتخطي وبرامج العمل وتجديد السير .
فما بال فكرنا العربي في هذه الأيام لا يستجيب لهذا القانون …وما باله يشذ عن هذه القاعدة الحضارية والحياتية ؟ ..رغم كل هذه الأزمات والمعاناة والنكبات القومية؟
هنا مصدر تخوفنا وقلقنا …
فإن ترتفع حرارة الجسم في زمن الحمى …
ذلك هو الشئ الطبيعي …
أما أن يبقى الجسم جامدا باردا فذلك ما يدعو إلى القلق العميق …وسرعة التشخيص والمعالجة …
وفكرنا العربي لا أرى حرارته مرتفعة رغم كل هذه الحمى , بل الحميات العربية …
بل أراه جامدا باردا …ويزداد جمودا وبرودا …فما السر ياترى …وما الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة؟ وهل يستطيع تاريخنا وتاريخ غيرنا أن يسعفنا بإجابة ما ؟…بإضاءة ما ؟؟
في القرن الرابع الهجري شهدت البلاد العربية والإسلامية أزمات إجتماعية وسياسية وحروبا , وتمزقا , ومعاناة أخلاقية مع إضمحلال الدولة العباسية في عصرها الثاني وظهور الدويلات المتنازعة والكيانات المتصارعة ..
ولكن الثقافة رغم كل هذا , وبسبب هذا , عرفت إزدهارا وتفتحا لم يسبق له مثيل …ولم تضمحل مع إضمحلالة الدولة العباسية والمجتمع العباسي …ولم تصمت وتفلس لفتنة داخلية …أو لحروب خارجية ..أو لأزمة إجتماعية أو اقتصادية…
كان الإنسان ما يزال مبدعا .. الإنسان العربي المسلم , وكانت حيويته وأعماقه ما زالت مفعمة بمختلف أنواع العطاء …وإذا كانت حيويته السياسية والعسكرية قد خفت بعد أربعة قرون من البذل , فإن حيويته الثقافية الفكرية والفنية لم تزل واعدة , بل كانت في أوج إزدهارها …كان هناك إزدهارا في الفلسفة …
وكان إزدهار في الفقه واللغة

المزيد


الدولة الحديثة، والهوية، ومشكلة الأقليات القومية: الحالة التركية

يناير 21st, 2008 كتبها سعيد حفضان نشر في , فكر

الدولة الحديثة، والهوية، ومشكلة الأقليات القومية: الحالة التركية

بشير موسى نافع*

      كنت أراقب نشرة الأخبار الرئيسة لقناة الجزيرة الفضائية، مساء يوم من نهاية تشرين أول /أكتوبر الماضي، وإذا بمذيع النشرة يعلن عن استضافة وزير الخارجية التركي الأسبق ممتاز سويسال للتعليق على تطورات المسألة الكردية والتوتر المتصاعد على الحدود التركية ـ العراقية. وفي محاولة من مذيع النشرة للذهاب إلى ما هو أعمق من مجرد الجدل حول النشاطات المسلحة لحزب العمال الكردستاني (التركي)، طرح على الوزير التركي العجوز سؤالاً يتعلق بفشل الجمهورية التركية، بعد مرور أكثر من ثمانية عقود على تأسيسها، في وضع نهاية مقبولة للمسألة الكردية. وقد جاء رد الوزير كالتالي: "نحن وضعنا بالفعل حلاً لهذه المسألة من البداية (يقصد بداية العهد الجمهوري)، عندما أخذنا بالنموذج العثماني الذي قضى بأن المسلمين جميعهم سواسية، وأن لا وجود لأقليات مسلمة بين المسلمين".
      ربما تبدو إجابة السياسي التركي غريبة ومدهشة، بالنظر إلى عداء الدولة التركية الجمهورية المعروف والمؤكد للميراث العثماني، ولكن ما قاله هو الحقيقة كاملة. ما لم يقله الوزير، أو ما لم تدركه النخبة الجمهورية الحاكمة بعد، من مصطفى كمال أتاتورك إلى قيادات أغلب الأحزاب التركية الحالية، أن استعارة الدولة الجمهورية الحديثة لنموذج الهوية، كما تبلور في العهد العثماني المتأخر، كانت خطوة مسكونة بالتناقضات، وأن هذه الاستعارة كانت تمضي في سياق مستقيم نحو تفجير حتمي للمشكلة القومية في البلاد، وعلى رأسها المسألة الكردية.
      بعكس الانطباع السائد حول قيام الدولة الجمهورية بقطيعة كاملة مع الميراث العثماني، فقد بنيت الجمهورية التركية على بعض من الأسس التي أرستها دولة التحديث العثمانية، الدولة التي بدأت في اكتساب ملامحها منذ منتصف القرن التاسع عشر على الأقل؛ تماماً  كما بنيت على  أنقاض أسس  أخرى  لتلك الدولة. قام  نظام أنقرة، الملتف حول  مصطفى كمال، مثلاً،  بإلغاء   السلطنة  والخلافة  العثمانيتين، وتخلى   نهائياً  عن المسؤوليات الإسلامية للدولة العثمانية، سواء تلك المتعلقة برعاياها السابقين في المنطقة العربية والولايات الأوروبية، أو تلك المتعلقة بالمسؤوليات المعنوية للخلافة تجاه المسلمين كأمة.
      من ناحية أخرى، احتفظت أنقرة بمؤسسة البرلمان العثمانية، بعد أن جعلت منها مؤسسة تركية قومية وحسب. ثمة عدد من العوامل والتصورات التي ساهمت مساهمة مباشرة في تشكيل رؤية مصطفى كمال والجمهوريين الأتراك الأوائل: أولها، كانت حالة فقدان الثقة في النظام العثماني، الحالة التي سيطرت على قادة المقاومة التركية في أنقرة خلال سنوات حرب الاستقلال من 1919 إلى 1923، ليس النظام القائم العثماني القائم حينها وحسب، بل أيضاً ميراث هذا النظام وقدرته على النهوض واستعادة الكرامة والاستقلال. ثانيها، كانت طبيعة المحددات التي فرضها ميزان القوى الجديد في الجوار والعالم. فدخول الدولة العثمانية غمار الحرب العالمية الأولى بغير تقدير كاف لمقدرات ومصالح الدولة، والطريقة الكارثية التي قادت بها حكومة الاتحاد والترقي الدولة خلال سنوات الحرب، جاءت بهزيمة ساحقة، وخسارة الدولة العثمانية لكل مقاطعاتها العربية وجزء كبير من ممتلكاتها في الجانب الأوروبي من البوسفور، وتقسيم ما تبقى إلى قطاعات نفوذ لدول الحلفاء، وغزو يوناني لمنطقة إزمير وما جاورها من الأناضول. وقد وجد مصطفى كمال أن الموازين الاستراتيجية الجديدة في العالم والجوار، حيث بريطانيا وفرنسا في العراق وسورية، بينما يبرز الاتحاد السوفياتي وريثاً لروسيا القيصرية، تستوجب رؤية مختلفة، (من دون أن نؤيد ما ذهب إليه) لما يمكن أن تكونه الدولة الجديدة.
      أدار الجمهوريون بالتالي ظهورهم كلية لفكرتي الجامعة الإسلامية، التي استبطنها الالتزام بمؤسسة الخلافة، ولفكرة الجامعة التركية، التي ولدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر واستبطنت مسؤولية عثمانية خاصة تجاه الشعوب التركية في وسط آسيا وإيران، أو حتى طموحاً لإقامة دولة تركية جامعة من حدود الصين إلى البلقان. الجمهورية التركية ستكون إذن الجمهورية بحدودها التي انتهت إليها في اتفاقية لوزان، وعلى الدولة الجديدة أن تتحرر كلياً ونهائياً من أية طموحات توسعية. وكان ذلك يعني بالضرورة انتصار الفكرة القومية التركية على فكرتي الجامعة الإسلامية والجامعة التركية. هكذا تصور مصطفى كمال تركيا الجمهورية، وهكذا التزمت الأجيال التالية من النخبة السياسية التركية. الإنزال التركي في شمال قبرص كان استثناءاً، ولدته بشاعة الأساليب اليونانية في التعامل مع القبارصة الأتراك، والصعود الإسلامي - القومي السياسي غير المسبوق في تركيا السبعينيات.
      بيد أن التوجه القومي التركي المجرد، على أهميته، لم يكن كافياً لبناء دولة جمهورية مستقرة، لاسيما أن تركيا لم تولد من رحم نظام امبراطوري منهار وحسب، بل ومن حرب عالمية باهظة التكاليف، وحرب استقلال وطني لا تقل تكلفة. كان مصطفى كمال ورفاقه نتاج التعليم العسكري والمدني العثماني المتأخر، وما بثه من الأفكار والثقافة الأوروبية؛ وقد تصوروا الدولة من منظ

المزيد


النقد

يناير 1st, 2008 كتبها سعيد حفضان نشر في , ثقافة, فكر

النقد

النقد لغة: هو بيان أوجه الحسن وأوجه العيب في شيء من الأشياء بعد فحصه ودراسته,وفي الأدب يعني النقد: دراسة النصوص الأدبية في الأدب,وذلك بالكشف عما في هذه النصوص من جوانب الجمال فنتبعها,وما قد يوجد من عيوب فنتجب الوقوع فيها.
أولاً: النقد الأدبي في مرحلة النشأة والتطور:
استعمال النقد:1- أول ماأستعمت فيه كلمة النقد كانت بمعنى فرز الدراهم والدنانير – قديماً – لبيان الصحيح والمزيف منها,وتلك مهارة يختص بها الصيارفة.
2- ثم انتقلت الى نقد أخلاق الناس وعاداتهم,وبيان مايتحلون به من كريم الصفات.وما يعاب على أحد من السلوكيات ولهذا قالوا (إن نقدت الناس نقدوك,وإن عبتهم عابوك).
3- ثم دخلت كلمة النقد في نقد الشعر والخطب في العصر الجاهلي,حيث كانت اسواق العرب أشبه بالنوادي الأدبية اليوم – يلقي فيها الشعراء قصائدهم..وكل يتباهى مفتخراً بقومه..والناس يسمعون,ثم يقولون رأيهم..وهي في هذا الوقت ملاحظات فردية,تقوم على الذوق الشخصي,وهذه هي المرحلة الأولى لظهور النقد الأدبي وتطوره.
*نماذج من النقد الأدبي في هذه المرحلة:
1- ألقي شاعر يسمى (المتلمس) قصيدة على جمع من الناس,وكان من بينهم الشاعر:طرفة بن العبد – فلما قال المتلمس:
واني لأمضي الهم عند احتضاره بناج عليه الصيعرية مكدم
ومعنى البيت (إنني اتغلب على الهموم التي تحضرني بالسير على جملي فأنجو منها به).
عندئذ قال طرفة:استنوق الجمل – أي جعله ناقة,فقد وصفه بصفات الناقة وهي (الصيعرية) وهي علامة في عنق الناقة لا البعير.
2- جاء في قصيدة لحسان بن ثابت:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فنقده النابغة وقال له:
- إنك قلت:( الجفنات) وهي من جمع القلة,والأحسن لو قلت (الجفان) لكثرة العدد.
- وقلت : (يلمعن) ( في الضحى) أي تلمع في وضح النهار – ولو قلت (يبرقن) (في الدجي) لكان ابلغ لأن الضيوف في الليل اكثر طروقاً.
- وقلت أيضاً: (أسيافنا) وهي جمع قلة – ولو قلت (سيوفنا) جمع كثرة لكان أفضل.
- وقلت (يقطرن دما) أي تسيل منها قطرات الدم.ولو قلت (يجرين) لكان أفضل فجريان الدم دلالة على كثرة القتلى من الأعداء.
ونلحظ في نقد النابغة السابق أنه يركز على مدى دقة استعمال الكلمات الملائمة للمعنى,وكيف تكون كلمة أدق وأبرع في التعبير عن المعنى المراد لأن نجاح الشاعر في اختيار أدق الكلمات المناسبة ي

المزيد


جودت السعيد: لا طاعة في معصية

يناير 1st, 2008 كتبها سعيد حفضان نشر في , إسلاميات, فكر

(1).

لقد جاء الأنبياء بشيء عجيب، جاؤوا بفكرة « لا طاعة في معصية »
هذه الفكرة عميقة وبسيطة وصعبة في آن واحد، وعمقها نابع من بساطتها، وصعوبتها تكمن في سهولتها.
لا طاعة في معصية، لا تنفيذ للأوامر دون قانون، دون شرط، لقد أدخل الأنبياء إلى الناس هذه الفكرة الانقلابية (الكوبرنيكية) في سلوك الإنسان.
« لا طاعة في معصية»!!..
ما هي المعصية؟ كيف نفهمها أم كيف نفهم الطاعة، كيف نحصل على الفرقان والميزان، كيف، كيف؟
نعم، هذا ما أريد أن أبحثه واكشفه، أريد أن ابحث معنى الطاعة ومعنى المعصية، متى تحين هذه، ومتى تحين تلك؟ ما هو الميزان الذي يبين كل هذا؟ حقاً إنها فكرة علوية إلهية.
الإلهي السماوي والسفلي الأرضي
الطاعة لله والمعصية للطاغوت!!..
ولكن كيف نتعرف على الله، وكيف نتعرف على الطاغوت؟
ينبغي أن نجد دليلاً على هذا الشيء العلوي السماوي من العالم السفلي الأرضي، لأن العلوي السماوي جعل برهانه ودليله في العالم الأرضي السفلي، وما ذلك إلا لأن هذا العالم هو الذي يقع تحت أسماعنا وأبصارنا، وهو الذي نستطيع أن نفهمه وندرسه، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يقيم الدليل الأرضي على هذا العلوي السماوي؟!!..
إن العلوي يأمرنا أن ننظر إلى العواقب، وأن ننظر إلى الخسائر والمرابح، ويقول لنا: انظروا إلى الإحصاءات، انظروا إلى المثلات.
هذا العلوي يمكن ألا يكون حقيقياً، بالنسبة لنا، إلا إذا كان دليله سفلياً وأرضياً وواقعياً وعينياً وبصرياً وإحصائياً (رياضيات، حساب، لمس،..).
أين ورثة الأنبياء الذين يجعلون الأرض تُحدِّث اللَّغو والاشتباه والالتباس، وتحدث الحيرة، وتسيطر العبثية والتشاؤم، وتتراخى الجهود.
إنهم يلغون:
(لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) ] فصلت: 41/26 [.
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) ] الصف: 61/8 [.
يريدون للسحر أن يبقى:
(وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) ] طه: 20/69 [.
من الذي سيجعل الفرقان بيد الناس؟
من ذا الذي سيجعلنا نفهم أن الله معنا في الأرض كما هو في السماء؟ نلقاه عند المريض، عند الجائع، عند الجاهل ؛ حينما نكون معهم نكون مع الله.
إنه قريب، وقريب جداً، وأقرب من حبل الوريد، وأقرب إلينا من جارنا الجاهل الذي هو أحوج ما يكون إلى المعرفة، إلى الفرقان، إلى حقنة إنعاش!!..
(الَّذ

المزيد


ثنائية الاستبداد/الحرية في نظر الكواكبي

ديسمبر 31st, 2007 كتبها سعيد حفضان نشر في , فكر

ثنائية الاستبداد/الحرية في نظر الكواكبي

لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

سمير أبو حمدان
إن أحداً من مصلحي القرن التاسع عشر ومفكريه لم يبارز الاستبداد مثلما بارزه عبد الرحمن الكواكبي…كيف لا وهو الذي عانى,كما لم يعان أحد غيره,من الاستبداد الحميدي (نسبة الى السلطان عبد الحميد)!غير أن فلسفة عبد الرحمن في الاستبداد لم تصدر عن تجربته الذاتية بقدر ماصدرت عن نظر عقلاني هاديء يتمحور حول أقطاب ثلاثة:الفرد والمجتمع والدولة.إن هذه الأقطاب الثلاثة يرتبط بعضها بالبعض الآخر
وفق علاقة جدلية لايمكن تفكيكها.من هنا سعي الكواكبي الى نهضة الدولة بواسطة التقيد بالقوانين والدساتير.والكواكبي لم يجد ما هو أكثر استبداداً من حاكم مطلق الصلاحية ولاحدود لتصرفه في شؤون الدولة والرعية.فمثل هذا الحاكم,وهو مستبد بحكم يده الطليقة من أي قيد أو قانون,"يتحكم في شوؤن الناس بارادته لابارادتهم ويحكمهم بهواه لابشريعتهم ,ويعلم من نفسه أنه الغاضب المعتدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته".على أي حال فانه ينبغي أن نتفق على أن (فلسفة الاستبداد)التي وضع عبد الرحمن مبادئها رمت,من وجه أول,الى هدم النظام السياسي العثماني الذي كان المعوق الأساس لنهضة العرب والمسلمين.وإذ طالب بالأخذ من المدنية الغربية بكل مايمكن أن ينهض بحياة العرب والمسلمين,السياسة والاجتماعية والاقتصادية,دعا في الوقت نفسه الى سن قوانين "مبنية على العدالة الاجتماعية".فالعدالة والحرية والمساواة والديمقراطية,إن هذه المفاهيم مجتمعة,اختفت من المجتمعات العربية - الاسلامية.وسبب ذلك هو (الاسلام العثماني ),كما يمكن أن نعبر,الذي أطلق يد الحاكم المستبد الذي لايردعه قانون ولايقيده دستور.وهذا (الاسلام)الذي شهد
بفضل العثمانيين عدداً من (الاضافات والمزيدات),يختلف عن الاسلام الأول,البعيد عن البدع والخرافات,والذي يعتبر الشورى(=الديمقراطية)والحرية والعدل والمساواة من مقوماته الأساسية التي لايجوز التخلي عنها.ومن هنا رؤية الكواكبي بأن نهضة العرب والمسلمين يمكن لها أن تتأسس من جديد على (المشرب السلفي المعتدل)أي على الاسلام الأول,اسلام الينابيع,الحضاري,المنفتح على منجزات الآخر وثقافته.إنه -بمعنى آخر-ذلك الاسلام الذي لم تمسه يد العثمانيين.وعلى الرغم من أن الكواكبي رأى الى هذا الاسلام على أنه طاقة يجب الاستفادة منها في فعل النهضة والتقدم غير أنه,وفي موازاة ذلك,دعا الى الأخذ بمنجزات الحضارة الغربية,وهي الحضارة الفتية التي يمكن للعرب والمسلمين ومن طريق الأخذ بالمفاهيم التي أطلقتها (حرية -إخاء-مساواة),أن يحققوا أمرين:-نهضة مجتمعاتهم وتقدمها,-وتحررهم من نير العثمانيين.إن عبد الرحمن الكواكبي,وكبديل من نمط الحكومات السائد في البقعة العربية-الاسلامية,اقترح نمطاً من الحكم,دستوري النزعة,يخضع لسيطرة الأمة والقانون,وتالياً لاتخضع لارادة الأمة,إنما هي حكومات مستبدة,تقف ضد تطور الشعوب وتقدمها.فالمطلوب,وفق الأنظمة الدستورية,أن يراقب الشعب حكومته,ويحاسبها.وعلى هذا الأساس فان الحكومة "لايخرج عن وصف الاستبداد (أي لاتخرج عن كونها مستبدة)مالم تكن تحت المراقبة الشديدة والاحتساب الذي تسامح فيه".ولئن كان ينهد الى الترويج لقيام الحكومات ذات المضمون الديمقراطي,وعلى نمط ما هو سائد في الغرب,لكنه لاينفك يعود الى خزائن المأثور الاسلامي ليستمد منها مفاهيم تصلح أساساً لبناء الدولة الحديثة.فهو دعا -وانطلاقاً من أن (إدارة الدين)اتحدت في المجتمع العربي الاسلامي ب(إدارة الملك)الى الأخذ بنوع من الارستقراطية في الحكم,أي الاعتماد على (الأشراف) في الامساك بزمام الأمور في الدولة الحديثة.فهو يرى أن "الاسلامية مؤسسة على أصول الادارة الديمقراطية,أي العمومية,والشورى الارستقراطية,أي شورى الأشراف".لكننا هنا يجب ألا نتسرع فنحمل كلام الكواكبي على غير محمله لجهة تفسير كلمة(الأشراف).فهو لايعني بهم اولئك الذين ينتمون الى طبقة اجتماعية معينة,وقد ورثوا هذا اللقب أباً عن جد,وإنما من نتوسم فيهم الشرف والكبرياء والحكمة والأنفة والشهامة وسعة المعرفة وأهليتهم للحكم.بكلمة أخرى فهو لايشير بهذا المصطلح الى أصحاب الحسب والنسب حيث "أن اجتماع نفوذ النسب وقوة الحسب يفعلان,ولاعجب,فعل المستبد
العادل,أي عنقاء مغرب",وإنما يشير-كما نوهنا قبل قليل-الى الذين يعتبرون أهلاً للحكم من جميع الوجوه.أما (الأصلاء)أو (الأشراق)الذين حملوا ألقابهم في ظروف معينة,فهم "جرثومة البلاء في كل قبيلة ومن كل قبيل,لأن آدم داموا اخواناً متساوين الى أن ميزت (الصدفة)بعض أفرادهم بكثرة النسل فنشأ منها القوات العصبية".إذن فان الكواكبي لايدعنا في حيرة من أمرنا بالنسبة لتحديد هذا المصطل

المزيد


من فكر المواجهــة إلى فكر المصالحــة، رحلة الألف ميل تبدأ بميل [د.خـالد الطراولي] ج2

ديسمبر 10th, 2007 كتبها سعيد حفضان نشر في , إسلاميات, سياسة, فكر

 

إن هيمنة فكر المصالحة على المشروع الإسلامي ورفع يافطته المبدئية، تعطي ضمانا لمن وراء الحدود، وأمانا لمن داخلها، في سلمية منهجه وسماحة تصوراته، في تبنيه لعلاقة تعارف واحترام متبادل ومصالح مشتركة بين ثقافات مختلفة وأديان متعددة وسياقات متنوعة، حتى تصبح الورقة الإسلامية ورقة ضاغطة وتتمتع بكثير من المكاسب والمعطيات. وهو يعطي كذلك مؤشرا هاما لمن داخل البلاد بأن المصالحة ليست عنوان مرحلة ولكنها عنوان مشروع.

من فكر المواجهة إلى فكر المصالحة: رحلة الألف ميل تبدأ بميل! (*)

الجـــزء الثــاني

(*) نشر هذا المقال لأول مرة سنة 2004 على المواقع التالية :

خالد الطراولي فصل من كتاب "إشراقات تونسية الديمقراطية ورحلة الشتاء والصيف"
وتونس نيوز 9 جوان 2004 ومجلة أقلام أون لاين السنة الثالثة - العدد 11 لشهري ماي وجوان 2004)
 بقلم د. خالد الطراولي

ktraouli@yahoo.fr

 من هنا نبدأ: المصالحة الداخلية

ليس سليما ولا مقبولا أن تنطلق حمائم المصالحة بجناحيها مرفرفة إلى الضفة المقابلة، وهي عاجزة أن تطلقها في سماء ضفتها! لا مصداقية لمشروع إذا كان يطرح خلاف ما يمارس، وظاهره خلاف باطنه! لا صلاح لرأي إذا كان شعاره فرق لتسد، وسدّد لتفرق! لا يمكن أن تحمل قوة تفاوضية عالية، وأركان البيت محطمة وأضلاعه مهشمة على أصحابه! ولا جماهيرية ولا نجاح لبرنامج إذا كان حاملوه قلوبهم شتى وبأسهم بينهم شديد!!

قبل أن ينطلق المشروع خارجا لا بد من وقفة هامة وأساسية مع الداخل الإسلامي، لهذا تشكل المصالحة الداخلية ضرورة حياتية له وصمام أمان لصلاحية مساره. هذه المحطة الهامة في مسار البناء تمثل تحديا مهما للعقل التنظيمي، ولقد قلنا في حديث سابق أن المشروع الإسلامي وجب عليه أن يتصالح مع العديد من الطاقات المهدورة التي تواجدت داخله أو تحاملت على الأطراف أو على الأعراف. منها الطاقات المعطلة، والطاقات الخائفة والطاقات المجمدة والطاقات اليائسة والطاقات الفاعلة والطاقات الشاذة. هذه الطاقات التي انسحبت خيارا أو اضطرارا، هذه الطاقات التي ملّت الزمن أو ملّها الزمن، هذه الطاقات التي حملت المشروع يوما وتقاعست عن حمله في يوم آخر، هذه الطاقات التي غلب بعضها الأنا، أو غلبها هواها، هذه الطاقات التي أرادت أن تختلف ولم يسمح لها بالخلاف…

كل هذه الأصناف من الطاقات المهمّشة، المتعددة الاختصاصات والإمكانيات، والمختلفة التصورات والممارسات، والتي ضمر دورها وقلّت فعاليتها أو غابت ذاتها، لا يجب التنازل عنها وتركها لنفسها، أو لغيرها حتى يستثمر قدراتها وتاريخها، ويوظف أفكارها وممارستها بعيدا عن المشروع، حتى بلغ الانفصال عند البعض حدّ التوجس والعداء، وبدأنا نسمع ونقرأ من قريب ومن بعيد صيحات وولولة ونشر غسيل وهي تعبر عن ندآت استغاثة أكثر منها توجيه اتهامات!

الفضاء الإسلامي متنوع ومتعدد، وإن هيمن عليه فصيل دون آخر، وقد عبرنا عنه في مقال سابق "باللقاء الإسلامي" ويجمع المنتمين والمستقلين، من اليمين واليسار، داخل البلاد وخارجها. ليس عيبا أن نختلف، ليس عيبا أن ننقد ونقبل النقد، ليس عيبا أن نعترف ونتراجع، ليس عيبا أن نجتهد فنخطئ، ولكن العيب كل العيب أن تمتلئ الصدور بالغلّ والعداوة بين أصحاب المشروع الواحد والكل يدّعي الظلم لغيره.

إن فكر المواجهة الذي تكوّن أصلا ضد المنافس في بحر التجاذب السياسي، وهو خطأ في بابه، ولّد ولا شك فكر مواجهة وتنابذ وتنابز موجه إلى الداخل الإسلامي، وكبرت الأنفس وعظم الأنا والتوجس، ومهما كانت التبريرات والمسؤوليات، وعلى ما في بعضها من الحق أو من الباطل، فلا تبرير يعلو فوق صوت العقل والتعقل، وصوت الصبر والتجاوز، وصوت القبول بالجميع، وذلك صوت المصالحة. وإلا فهو إهدار لرصيد يندر وجوده، صقلته التجربة والمعاناة، وجمعته لفترات، أخوة ومآخاة، وتاريخ ومسؤوليات. ومن المؤلم أن يتحو

المزيد


من فـكر المواجهة إلى فكر المصــالحة د. خالد الطراولي (الجزء الأول)

ديسمبر 9th, 2007 كتبها سعيد حفضان نشر في , إسلاميات, سياسة, فكر

المصالحة ثقافة وعقلية وسلوك، ومسيرة المصالحة طويلة وشاقة، ولطول عناءها وجب الاستعداد لها وبناءها، وأول هذه المحطات الهامة هو تكوين فكر المصالحة وثقافة المصالحة وعقلية المصالحة. ليس سهلا أن تنقلب الأولويات وتتغير العقليات دون إحداث رجة عالية الدرجة داخل البناء التنظيمي والبناء التصوري، ليس سهلا أن يتنازل إبهام التوعد والاتهام والصراع والتسرع، على السكون والهدوء والعمل المضني والطويل.

 

من فكر المواجهة إلى فكر المصالحة: رحلة الألف ميل تبدأ بميل! (*)

الجـــزء الأول

بقلم د. خالد الطراولي

ktraouli@yahoo.fr

لما سعينا منذ مدة وبكل تواضع إلى تنزيل مبادرة المصالحة بين السلطة في تونس والمشروع الإسلامي (1)، ثم ذيلناها بمحاولة تأصيل لمصطلح المصالحة في الفكر الإسلامي المعاصر(2)، وتوسعة مفهومه في منازل وأطر جديدة غيبتها الحركة الإسلامية أو همّشتها، كان همنا الرئيسي وغايتنا الأساسية هو التذكير بأن هذا المنهج المنسي أو المهمش ليس طفرة عائمة، ولا مصلحة ظرفية، ولا مناورة سياسية، ليس تعبيرا عن حالة ضعف فاخترناه، ولا لأننا قلة فقبلناه، وإنما هو الأصل والمبدأ، وأن ما سواه من منهجيات وممارسات هي نسخ زائفة، ومعالجات مردودة، وخيارات غير صائبة، كثيرا ما ألمّ بها وعي منقوص، وعلم مغشوش، وأمية شرعية، وبراغماتية منبوذة، ومرونة مفقودة، فغلب الاضطرار على الخيار، وكان فقه اللحظة مهيمنا على فقه الزمن!

المصالحة عنوان مشروع وليس عنوان مرحلة

المصالحة ثقافة وعقلية وسلوك، ومسيرة المصالحة طويلة وشاقة، ولطول عناءها وجب الاستعداد لها وبناءها، وأول هذه المحطات الهامة هو تكوين فكر المصالحة وثقافة المصالحة وعقلية المصالحة. ليس سهلا أن تنقلب الأولويات وتتغير العقليات دون إحداث رجة عالية الدرجة داخل البناء التنظيمي والبناء التصوري، ليس سهلا أن يتنازل إبهام التوعد والاتهام والصراع والتسرع، على السكون والهدوء والعمل المضني والطويل.

إن إحداث هذه النقلة ال

المزيد


التباسات الشورى والديمقراطية في العمل الإسلامي-بقلم امحمد جبرون

نوفمبر 20th, 2007 كتبها سعيد حفضان نشر في , إسلاميات, سياسة, فكر

كثر الحديث عن الشورى بين الإسلاميين في السنوات الأخيرة، وتزايد الطلب على آثارها وآدابها في التراث الإسلامي العلمي والعملي. ومن الأسباب الرئيسية وراء هذا الاهتمام؛ استبداد أولي الأمر عليهم في أكثر البلدان، ومصادرة حرياتهم وحقوقهم في التعبير والتنظيم…، وأيضا ازدهار الديمقراطية الليبرالية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وإرساء قواعد النظام العالمي الجديد. لقد أراد الإسلاميون من خلال رجوعهم القوي نحو الشورى التعبير الصُراح عن مناهضتهم للاستبداد السياسي، وإعلان اصطفافهم إلى جانب القوى الديمقراطية في بلدانهم، وبالتالي أصبحت الشورى في الأدبيات الإسلامية بصورة أو بأخرى مرادفة للديمقراطية الليبرالية، أو في بعض الحالات بديلا عنها. وقد نشأت عن هذا السياق التباسات كثيرة، لا زالت تمزق الفكر السياسي الإسلامي، وتحد من إمكانياته العملية.

إن الشورى في المجال التداولي الإسلامي وفي مختلف الأصول والفصول التي تطرقت لها تحيل على معنى تبادل الرأي وتداوله بين أهله في قضية أو قضايا معينة، بغاية بلوغ الصواب والأصوب والأنفع، في المجالات المختلفة؛ السياسية والفقهية…، وقد نبه الأوائل إلى قوامها وآدابها، والآفات التي تنجم عن إهمالها، وحشروا لهذا الغرض من الحكم والقصص الشيء الكثير، واعتبرها أبو بكر الطرطوشي (ت. 520هـ) من ”الخصال الفرقانية” التي تفرق بين الحق والباطل، ومما يذكرونه في هذا المجال تحفيزا وترغيبا في الشورى ”خمير الرأي خير من فطيره، وتأخيره خير من تقديمه”.

وإذا كانت الشورى في مجال السياسة في التجربة الإسلامية بقيت رهن إرادة الحاكم شكلا ومضمونا وزمانا وظروفا، فإن الأمر مختلف في بعض المجالات الأخرى وخاصة الفقه والقضاء، فمن الخطط الدينية التي تذكر على هامش هذين المجالين خطة الشورى أو المشورة، وقد عُرف عدد من الفقهاء بأنهم من أهل الشورى ولم يعرفوا بوظيف آخر، غير أن وجود هذه الخطة لم يستطع أن يحقق انتقالا وتقدما حقيقيا في نظام الشورى وشكل ممارستها في التجربة التاريخية الإسلامية.

أما الديمقراطية في صيغتها الليبرالية، ورغم الاختلاف الذي يبدو حولها من الناحية المعرفية، تبعا لتباين المقاربات، فإنها من الناحية الشكلية والعملية -على العموم- شيء واحد، ويتجلى ذلك بالدرجة الأولى في المجال السياسي، فالديمقراطية من هذه الناحية هي مجموعة من الأدوات والآليات والإجراءات القانونية والتنظيمية والمسطرية التي تعالج الاختلاف، وتمكن من التداول السلمي على السلطة…إلخ، والتي تسمح بتأويل السلطة على أنها سلطة الشعب أو القاعدة، أي أغلبيتها.

فالقول بديمقراطية جهة معينة سواء كانت دولة أو جماعة أو حزب يستند إلى تأويل لإطارها القانوني والتنظيمي، والشكل الذي تتوزع به السلط داخلها، على أنه تعبير عن إرادة الشعب أو الجماعة أو القاعدة، وقد يكون هذا التأويل بعيدا، لابد فيه من بعض التكلف حتى تثبُت ديمقراطية هذا الإطار أو ذاك، وقد يكون في حالات أ

المزيد


ما هي الديمقراطية ؟ استعادة لسؤال قديم وإجابة في رؤية جديدة

نوفمبر 20th, 2007 كتبها سعيد حفضان نشر في , سياسة, فكر

 
عقيل يوسف عيدان*
 ما هي الديموقراطية ؟ هو عنوان الكتاب الذي أصدره قبل أعوام عدة عالم الاجتماع الفرنسي (آلان تورين). ولكن ما هي وجاهة هذا السؤال من جديد ولاسيما أن البعض الكثير يرى أن هذا المفهوم قد ترسّخ أو كاد في العقل والتاريخ.
فبعد كل الضجّة والثورات والنضالات التي حصلت في العالم من أجل الديموقراطية وكل التضحيات والدماء التي سالت من أجلها، وبعد كتابة آلاف الكتب حول الديموقراطية وأزماتها وسبل الوصول إليها وتحقيقها..الخ. هاهو تورين يعود ليطرح السؤال من جديد (ما هي الديموقراطية ؟).
لعل مجرد طرح السؤال يشكّل تشكيكاً ونقداً لتلك الديموقراطيات كما مورست منذ نشأتها وحتى الوقت الراهن. وبداية النقد تعود إلى بداية الفكرة، وقد انطلقت بحسب تورين عبر نقض الأفكار التقليدية والاستبدادية.
ولأن المشكلة الأساسية كانت، بالنسبة إلى أوروبا، هي التوتاليتارية أي الشمولية في القرن العشرين، فقد أعطيت الأولوية في تعريف الديموقراطية لفكرة (الحد من السلطة)، الحد من سلطة الدولة عن طريق القانون أو عن طريق الاعتراف بالحقوق الأساسية.
إذاً فقد جاء التحديد الأولي للديموقراطية سلبياً باعتبار أنها نقيض التوتاليتارية والديكتاتورية والشمولية. إلاّ أن الحد من سلطة الدولة، على ضرورته، لا يمكن أن يقدم ضماناً للديموقراطية وقد حذّر الكثير من المفكرين والباحثين من غياب الدولة معتبرين أن (الدولة أسوأ الشرور قاطبة باستثناء تلك التي ستنجم عن غيابها).
والبديل من سلطة الدولة في المجتمعات (المتقدمة) و(الحديثة)، هو هيمنة سلطة رجال المال والإعلام. أما في المجتمعات الأقل تقدماً، فستخضع لهيمنة العصبيات الطائفية أو العرقية أو الإثنية والهويات المنغلقة على نفسها.
من هنا يتميّز طرح تورين بنقده ما يسمى الضمانات المؤسساتية والدستورية والقانونية وعدم كفايتها في تحقيق الديموقراطية، داعياً إلى تطوير فلسفة سياسية إيجابية تعتمد على (الذات الفاعلة).
 هذه الذات ليست عقلاً محضاً، ولا هي هوية ثقافية مخصوصة، ولا حرية شخصية مجردة. إنها ذات تركّب وتجمع بين هذه المعطيات، وهي، بما أنها (مركب

المزيد


التالي