أصول العدل والإنصاف عشرة
من ذلك هو أن تعرف أولاً قدر الولاية وتعلم خطرها فإن الولاية نعمةمن نعم الله عز وجل من قام بحقّها نال من السعادة ما لا نهاية له ولا سعادة بعدهومن قصّر عن النهوض بحقها حصل في شقاوة لا شقاوة بعدها إلا الكفر بالله تعالى.
والدليل على عظم قدرها وجلالة خطرها ما روي عن رسول الله صلى اللهعليه وسلم أنه قال: (عدل السلطان يوماً واحداً أحب إلى الله من عبادة سبعينسنة).
وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا كان يوم القيامة لا يبقى ظل ولاملجأ إلا ظل الله ولا يستظل بظله ألا سبعة أناس: سلطان عادل ي رعيته وشاب نشأ فيعبادة ربه ورجل يكون في السوق وقلبه في المسجد ورجلان تحابا في الله ورجل ذكر اللهفي خلوته فأذرى دمعه من مقلته ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال ومال إلى نفسها فقالإني أخاف الله وجل يتصدق سراً بيمينه ولم تشعر بها شماله).
وقال عليه الصلاة والسلام: (أحب الناس إلى الله تعالى وأقربهمإليه السلطان العادل وأبغضهم إليه وأبعدهم منه السلطان الجائر).
وقال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفس محمد بيده إنه ليرفعللسلطان العادل إلى السماء من العمل مثل عمل جملة الرعية وكل صلاة يصلّيها تعدلسبعين ألف صلاة).
فإذا كان كذلك فلا نعمة أجلّ من أن يعطى العبد درجة السلطنة ويجعلساعة من عمره بجميع عمر غيره ومن لم يعرف قدر هذه النعمة واشتغل بظلمه وهواه يخافعليه أن يجعله الله من جملة أعدائه.
ومما يدلّ على خطر الولاية ما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلىالله عليه وسلم أتى بعض الأيام فلزم حقه باب الكعبة وكان في البيت نفر من قريشفقال: (يا سادات قريش عاملوا رعاياكم وأتباعكم بثلاثة أشياء: إذا سألوكمالرحمة فارحموهم وإذا حكموكم فاعدلوا فيهم واعملوا بما تقولون فمن لم يعمل بهذافعليه لعنة الله وملائكته لا يقبل الله منه فرضاً ولا نفلاً).
وقال عليه الصلاة والسلام: (من حكم بين إثنين بظلم فلعنة اللهعلى الظالمين) وقال عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم: سلطانكجائز كاذب وشيخ زانٍ وفقير متكبر يعني أنه متكبر للطمع).
وقال عليه الصلاة والسلام يوماً للصحابة: (سيأتي عليكم يومتفتحون فيه جانبي الشرق والغرب ويصير في أيديكم وكل عمال تلك الأماكن في النار إلامن اتقى الله وسلك سبيل التقوى وأدّى الأمانة).
وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من عبد ولاّه الله أمر رعيةفغشهم ولم ينصح لهم ولم يشفق عليهم الا حرَم الله عليه الجنة).
وقال عليه الصلاة والسلام: (من ولَي أمور المسلمين ولم يحفظهمكحفظة أهل بيته فقد تبوأ مقعده من النار).
وقال عليه الصلاة والسلام: (رجلان من أمتي يحرمان شفاعتي: ملكظالم ومبتدع غال في الدين يتعدى الحدود).
وقال عليه الصلاة والسلام: (أشدّ الناس عذاباً يوم القيامةالسلطان الظالم).
وقال عليه الصلاة والسلام: (خمسة قد غضب الله عليهم إن شاء أمضىغضبه ومقرهم النار: أمير قوم يطيعونه يأخذ حقه منهم ولا ينصفهم من نفسه ولا يرفعالظلم عنهم ورئيس قوم يطيعونه ولا يساوي بين القوي والضعيف ويحكم بالميل والمحاباةورجل لا يأمر أهله وأولاده بطاعة الله ولا يعلمهم أمور الدين ولا يبالي من أينأطعمهم ورجل استأجر أجيراً فتمم عمله ومنعه أجرته ورجل ظلم زوجته في صداقها).
ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تبع يوماً جنازة فتقدم رجلفصلى عن الجنازة فلما دفن الميت وضع ذلك الرجل يده على القبر وقال: اللهم إنعذبته فبحقك لأنه عصاك وأن رحمته فإنه فقير إلى رحمتك وطوبي لك أيها الميت إن لمتكن أميراً أو عريفاً أو كابتاً أوعوانياً أو جابياً.
فلما تكلم بهذه الكلمات غاب شخصه عن عيون الناس فأمر عمر بطلبه فلميوجد فقال عمر: هذا الخضر عليه السلام.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ويل للأمراء وويل للعرفاء وويلللعوانية فإنهم أقوام يعلقون من السماء بذوائبهم في القيامة ويسحبون على وجوههم إلىالنار يودون لو لم يعلموا عملاً قط).
وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من رجل ولي أمر عشرة من الناسإلا وجيء به يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه فإن كان عمله صالحاً فكّ الغل عنهوإن كان عمله سيئاً زيد عليه غل آخره).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ويل لقاضي الأرض من قاضيالسماء حين يلقاه إلا من عدل وقضى بالحق ولم يحكم بالهوى ولم يمل مع أقاربه ولميبدل حكماً لخوف أو طمع لكن يجعل كتاب الله مرآته ونصب عينيه ويحكم بما فيه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالولاة يوم القيامةفيقول الله جلّ وعلا: (أنتم كنتم رعاة خليقتي وخزنة ملكي في أرضي).
ثم يقول لأحدهم: (لم ضربت عبادي فوق الحد الذي أمرت به).
فيقول: يا رب لأنهم عصوك وخالفوك.
فيقول جلّ جلاله: (لا ينبغي أن يسبق غضبك غضبي).
ثم يقول للآخر: (لم ضربت عبادي أقل من الحد الذي أمرت به)فيقول: يا رب رحمتهم.
فيقول تعالى: قال حذيفة بن اليمان: أنا لا أثني على أحد منالولاة سواء كان صالحاً أو غير صالح لأني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلميقول: (يؤتي بالولاة العادلين والظالمين يوم القيامة فيوقفون على الصراط فيوحيالله إلى الصراط أن ينفضهم إلى النار مثل من جار في الحكم أو أخذ رشوة على القضاءأو أعار سمعه لأحد الخصمين دون الآخر فيسقطون من الصراط فيهوون سبعين سنة في النارحتى يصلوا إلى قرارها).
وقد جاء في الخبر أن داود عليه السلام كان يخرج ليلاً متنكراً بحيثلا يعرفه أحد وكان يسأل كل من يلقاه عن حال داود سراً فجاءه جبريل في صورة رجل فقالله داود: ما تقول في داود فقال: نعم العبد إلا أنه يأكل من بيت المال ولا يأكلمن كدّه وتعب يديه.
فعاد داود إلى محرابه باكياً حزيناً وقال: إلهي علمني صنعة آكلبها من كدي وتعب يدي.
فعلمه الله تعالى صنعةالزرد.
وكان عمر بن الخطاب يخرج كل ليلة يطوف مع العسس حتى يرى خللاًيتداركه وكان يقول: لوتركت عنزاً جرباء على جانب ساقية لم تدهن لخشيت أن أسئلعنها في القيامة.
فانظر أيها السلطان إلى عمر مع احتياطه وعدله وما وصل أحد إلى تقواهوصلاته كيف يتفكر ويتخوف من أهوال يوم القيامة وأنت قد جلست لاهياً عن أحوال رعيتكغافلاً عم أهل ولايتك.
قال عبد الله بن عمر وجماعة من أهل بيته: كنا ندعو الله أن يريناعمر في المنام فرأيته بعد أثني عشر كأنه قد اغتسل وهو متلفع فقلت: يا أميرالمؤمنين كيف وجدت ربك وبأي حسناتك جازاك فقال: يا عبد الله كم لي منذ فارقتكفقلت: إثنتا عشرة سنة.
فقال: منذ فارقتكم في الحساب وخفت أن أهلك إلا أن الله غفور رحيمجواد كريم.
فهذا حال عمر ولم يكن له من دنياه شيء من أسباب الولاية سوى درة.
حكاية: أرسل قيصر ملك لروم رسولاً إلى عمر بن الخطاب لينظر أحوالهويشاهد فعاله فلما دخل المدينة سأل أهلها وقال: أين ملككم قالوا: ليس لنا ملكبل لنا أمير قد خرج إلى ظاهر المدينة.
فخرج الرسول في طلبه فوجده نائماً في الشمس على الأرض فوق الرملالحار وقد وضع درته كالوسادة تحت رأسه والعرق يسقط منه إلى أن بل الأرض فلما رآهعلى هذه الحالة وقع الخشوع في قلبه وقال: رجل تكون جميع ملوك الأرض لا يقر لهمقرار من هيبته وتكون هذه حالة ولكنك يا عمر عدلت فأمنت فنمت وملكنا يجور لا جرم أنهلا يزال ساهراً خائفاً.
أشهد أن دينكم لدين الحق ولولا أني أتيت رسولاً لأسلمت ولكن سأعودبعد هذا وأسلم.
أيها السلطان خطر الولاية عظيم وخطبها جسيم والشرح في ذلك طويل ولايسلم الوالي الا بمقارنة عملاء الدين ليعلموه طرق العدل ويسهلوا عليه خطر هذاالأمر.
أن يشتاق أبداً إلى رؤية العلماء ويحرص على استماع نصحهم وأن يحذرمن علماء السوء الذين يحرصون على الدنيا فإنهم يثنون عليك ويغرونك ويطلبون رضاكطمعاً فيما في يديك من خبث الحطام ووبيل الحرام ليحصلوا منه شيئاً بالمكر والحيل.
والعالم هو الذي لا يطمع فيما عندك من المال ومنصفك في الوعظوالمقال.
كما يقال أن شقيقاً البلخي دخل على هارون الرشيد فقال له: أنتشقيق الزاهد فقال: أنا شقيق ولست بزاهد.
فقال له: أوصني.
فقال: إن الله تعالى قد أجلسك مكان الصديق وأنه يطلب منك مثل صدقةوأنه أعطاك موضع عمر بن الخطاب الفاروق وأنه يطلب منك الفرق بين الحق والباطل مثلهوأنه أقعدك موضع عثمان بن عفان ذي النورين وهو يطلب منك مثل حيائه وكرمه وأعطاكموضع علي بن أبي طالب وهو يطلب منك مثل العلم والعدل كما يطلب منه.
فقال له: زدني من وصيتك.
فقال: نعم.
اعلم أنا لله تعالى داراً تعرف بجهنم وأنه قد جعلك بواب تلك الداروأعطاك ثلاثة أشياء بيت المال والسوط والسيف وأمرك أن تمنع الخلق من دخول الناربهذه الثلاثة فمن جاء محتاجاً فلا تمنعه من بيت المال ومن خالف أخر ربه فأدبهبالسوط ومن قتل نفساً بغير حق فاقتله بالسيف بإذن ولي المقتول فإن لم تفعل ما أمركفأنت الزعيم لأهل النار والمتقدم إلى البوار.
فقال له: زدني.
فقال: إنما مثلك كمثل معين الماء وسائر العلماء في العالم كمثلالسواقي فإذا كان المعين صافياً لا يضر كدر السواقي وإذا كان المعين كدراً لا ينفعصفاء السواقي.
حكاية
openquran(44,21,21)(أم حَسِبَ الذين إجتَرحوُا السيئَات أن نجَعلُهُم كالذِينَ آمنَوُاوعَمِلوُا الصَالِحاتِ) ومعناها: أيظن الذين اكتسبوا الخطاياويعملون
المزيد