باتريك سيل: "إسرائيل" خسرت معركة الشرعية

يناير 16th, 2009 كتبها سعيد حفضان نشر في , التبر المسبوك, الصهيونية, فلسطين

“إسرائيل” خسرت معركة الشرعية

قال البروفسور ريتشارد فولك، المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بأوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة وأشد الأشخاص انتقاداً ل”إسرائيل”، هذا الأسبوع إن “إسرائيل” تخسر المعركة من أجل الشرعية. فماذا كان يعني بقوله هذا؟

 

أجابت الحشود الغاضبة التي تظاهرت في مختلف مدن العالم عن هذا السؤال. فبالنسبة إليهم، يعني الهجوم الوحشي الذي شنته “إسرائيل” على سكان عزّل، أن الدولة اليهودية قد خسرت سمعتها الحسنة (أو ما كان قد تبقى منها)، وادّعاءها السخيف أن سلوكها يتطابق مع “القيم الغربية الحضارية”.

رفع بعض المتظاهرين شعارات تقارن أعمال “إسرائيل” الوحشية بالبربرية النازية التي مورست ضد اليهود. وتُعتبر المجزرة التي ترتكب في غزة قاسية، وقاسية جداً بعد اللائحة الطويلة من الأعمال الوحشية التي ارتكبتها “إسرائيل” منذ مجزرة دير ياسين، وضد الفلسطينيين واللبنانيين والعرب الآخرين منذ أن نشأت بفعل العنف في قلب المنطقة منذ ستة عقود.

وفرح معظم الإسرائيليين بالمهمة المروّعة التي يؤدّيها جنودهم. ويبدو أنهم ظنوا أن بلدهم يشنّ “حرباً عادلة” في قطاع غزة بعد أن خضعوا لحملة غسل دماغ على يد زعمائهم المثيرين للسخرية والإعلام المتواطئ معهم. إلا أن سائر العالم يفهم الموضوع بشكل أفضل. وكذلك الأمر بالنسبة إلى بعض الإسرائيليين الحكماء، الذين يشرفهم هذا الموقف ويمثلون الضمير المضطرب في بلدهم العدواني.

كتب يوري أفنيري، وهو أقدم المروّجين للسلام في “إسرائيل” وأكثرهم مثابرة، هذا الأسبوع: “ستنطبع في ذهن العالم صورة “إسرائيل” كوحش ملطخ بالدماء… وستنتج عن ذلك عواقب وخيمة على مستقبلنا على المدى البعيد… وفي نهاية المطاف، تُعتبر هذه الحرب جريمة ضد أنفسنا وجريمة ضد دولة “إسرائيل”".

أما الإسرائيلي الحكيم الآخر فهو آفي شلايم، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد، الذي يعتبر أن “إسرائيل” باتت دولة مارقة: “عادةً، تنتهك الدولة المارقة القانون الدولي وتمتلك أسلحة الدمار الشامل وتمارس الإرهاب وتستخدم العنف ضد المدنيين لأهداف سياسية. وهذه المعاي

المزيد


التبر المسبوك في نصيحة الملوك (3)

نوفمبر 27th, 2007 كتبها سعيد حفضان نشر في , التبر المسبوك

جمع فيه مؤلفه نصائحللملوك والولاة شملت على أصول الدين ويمتاز أسلوب الغزالي بسهولة الأداء وغزارةالمعنى

 

(3)
 بيان العينين اللتين هما مشرب شجرة الإيمان
وإذ قد عرفت أصول شجرة الإيمان وعرفت فروعها فاعلم أن هناك عينينللعلم تستمد الشجرة منهما الماء‏.‏
 العين الأولى في معرفة الدنيا ولم أوجد فيهاالإنسان
اعلم يا سلطان العالم أن الدنيا منزلة وليست بدار قرار والإنسانمسافر فأول منازله بطن أمه وآخر منازله لحد قبره وإنما وطنه وقراره ومكثه واستقرارهبعدها‏.‏
فكل سنة تنقضي من الإنسان فكالمرحلة وكل شهر ينقضي منه فكاستراحةالمسافر في كريقه وكل أسبوع فكقرية تلقاه وكل يوم فكفر سوف يقطعه وكل نفس كخطوةيخطوها وبقدر كل نفس يتنفسه يقرب من الآخرة‏.‏
وهذه الدنيا قنطرة فمن عمر القنطرة واستعجل بعمارتها فني فيها زمانهونسى المنزلة التي هي مصيره ومكانه وكان جاهلاً غير عاقل وإنما العاقل الذي لايشتغل في دنياه إلا لاستعداده لمعاده ويكتفي منها بقدر الحاجة ومهما جمعه فوقكفايته كان سماً ناقعاً ويتمنى أن تكون جميع خزائنه وسائر ذخائره رماداً وتراباً لافضة ولا ذهباً ولو جمع مهما جمع فإن نصيبه ما يأكله ويلبسه لا سواه وجميع ما يخلفهيكون عليه حسرة وندامة ويصعب عليه نزعه عند موته فحلالها حساب وحرامها عذاب أن كانقد جمع المال من حلال طلب منه الحساب وإن كان قد جمع من حرام وجب عليه العذاب وكانإيمانه صحيحاً سالماً لحضرة الديان فلا وجه ليأسه من الرحمة والرضوان فإن الله جوادكريم غفور رحيم‏.‏
واعلم أيها السلطان أن راحة الدنيا أيام قلائل وأكثرها منغص بالتعبمشوب بالنصب وبسببها تفوت راحة الآخرة التي هي الدائمة الباقية والملك الذي لانهاية له ولا فناء فيسهل على العاقل أن يصبر في هذه الأيام القلائل لينال راحةدائمة بلا انقضاء‏.‏
نكتة
لو كان للإنسان معشوقة وقيل له إن صبرت عنها هذه الليلة سلمت إليكألف ليلة بلا تعب ولا نصب وإن كنت تزورها فإنك لا تراها أبداً فإنه كان عشقه لهاعظيماً وصبره عنها أليماً لكن يهون عليه صبره على البعد عنها ليلة واحدة لينالالآخرة بل الدنيا ليست بشيء في جنب الآخرة ولا شبه بينهما لأن الآخرة لا نهاية لهاولا يُدرك بالوهم طولها‏.‏
وقد أفردنا في صفة الدنيا كتاباً لكنا نقتنع الآن بما نورده من حالالدنيا وقد أوضحنا حالها على عشرة أمثلة‏.‏
المثال الأول في بيان سحر الدنيا
قد قال صلى الله عليه وسلم ‏(‏أحذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروتوماروت وأول سحرها أنها تريك أنها ساكنة عندك مستقرة معك وإذا تأملتها خلتها وهيهاربة منك نافرة عنك على الدوام وإنما تتسلسل عل التدريج ذرة ذرة ونفساًنفساً‏)‏‏.‏
ومثل الدنيا مثل الظل إذا رأيته حسبته ساكناً وهو يمر دائماً وكذلكعمر الإنسان يمر بالتدريج عل الدوام وينقص كل لحظة وكذلك الدنيا تودعك وتهرب عنكوأنت غافل لا تخبر وذاهل لا تشعر ولذلك قال بعض الشعراء في المعني‏:‏
وما الدُنيَا وإن كثُرت وطابَت ** بها اللذاتُ إلا كالسَرابِ
يمُرُ نعيمُها بعدُ اِلتذاذِ ** ويمضِي ذاهباً مرّ السحابِ
المثال الثاني من ذلك
ومن سحرها أنها تظهر لك محبة لتعشقها وتريك أنها لك مساعدة وأنها لاتنتقل عنك إلى غيرك ثم تعود عدوة لك على غفلة‏.‏
ومثلها مثل امرأة فاجرة خداعة للرجال حتى إذا رأوها عشقوها ودعتهمإلى بيتها فاغتالتهم وأهلكتهم‏.‏
نكتة
رأى عيسى عليه السلام الدنيا في بعض مكاشفاته وهي على صورة عجوزهرمة فقال لها‏:‏ كم كان لك من زوج فقالت‏:‏ لا يحصون كثرة فقال عيسى‏:‏ ماتوا أمطلقوك فقالت‏:‏ بل أنا قتلتهم وأفنيتهم فقال‏:‏ يا عجباً ومن دواهيك هذا صنعك بأهلكوهم فيك راغبون وعليك يقتتلون وبمن مضى لا يعتبرون‏.‏
المثال الثالث من ذلك
ومن سحرها أنها تزين ظاهرها بمحاسنه وتخفي محنتها وقواتلها فيباطنها لتغر الجاهل بما يرى من ظاهرها ومثلها كمثل عجوز قبيحة المنظر تخفي وجههاوتلبس حسن الثياب وتتزين وتتجمل لتفتن الخلق من بعد فإذا كشفوا عنها غطاءها وخمارهاوالقوا عنها إزارها ندموا على محبتها لما شاهدوه من فضائح وعاينوه من قبائحها‏.‏
وقد جاء في الخبر أن الدنيا يؤتى بها يوم القيامة في صورة عجوزقبيحة مشوهة زرقاء العين وحشة الوجه قد كشّرت عن أنيابها فإذا رآها الخلائق قالوانعوذ بالله من هذه القبيحة المشوهة فيقال لهم هذه الدنيا التي كنتم عليها تتحاسدونولأجلها كنتم تتحاقدون وتسفكون الدماء بغير حق وتقطعون أرحامكم وتغترون زخرفها ثميؤمر بها إلى النار فتقول‏:‏ إلهي أين أحبابي فيؤمر بهم فيلقون في نار جهنم‏.‏
المثال الرابع من ذلك
إن الإنسان يحسب كم كان في الأزل قبل أن يوجد في الدنيا وكم يكونمدة عدمه بالموت وكم قدر هذه المدة التي بين الأبد والأزل وهي مدة حياته في الدنيافيعلم أن مثال الدنيا كطريق المسافر أوله المهد وآخره اللحد وفيما بينهما منازلمعدودة وأن كل سنة كمنزل وكل شهر لفرسخ وكل يوم كميل وكل نفس كخطوة وهو يسير دائماًفيبقى لواحد من طريقه فرسخ ولآخر أكثر وهو قاعد ذاهل وساكن غافل كأنه مقيم لا يبرحوقد اشتغل بتدبير أعمال لا يحتاج إليها بعد عشر سنين وربما يحصل بعد عشرة أيام تحتالتراب‏.‏
المثال الخامس من ذلك
اعلم أن مثل الدنيا تتحف أهلها فيها بشهواتهم ولذاتهم من الأمورالفضائح التي يشاهدونها في الآخرة كمثل إنسان أكل فوق حاجته من طعام حلو سمين إلىأن هاض هاضت معدته فرأى فضيحته من هلاك معدته ونتونة نفسه وكره برازه وحاجته فندمبعد ذهاب لذته وبقاء فضيحته من هلاك معدته‏.‏
وكذلك كلّما ألف الإنسان لذات الدنيا وتبين له ذلك كانت عاقبته أصعبويبتلي بمثل ذلك عند نزعه خروج روحه كمن كان له نعم كثيرة وذهب وفضة وجوار وغلمانوكروم وبساتين وفارقه كان ألم فراق روحه عليه أصعب ممن ليس له إلا القليل فإن ذلكالألم والعذاب لا يزول بالموت بل يزيد لأن تلك المحبة صفة القلب والقلب بحاله لايموت‏.‏
المثال السادس من ذلك
اعلم أيها السلطان أن أمور الدنيا أول ما تبدو يظنها الإنسان قريبةمختصرة وأن شغلها لا يدوم وربما كان من بعض أشغالها وأحوالها أمر يتسلسل منه أمروينفق فيه بضاعة العمر فإن عيسى عليه السلام قال‏:‏ طالب الدنيا كشارب ماء البحركلما ازداد شرباً ازداد عطشاً ولهباً فلا يزال يشرب حتى يهلك ولا يروى‏.‏
قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كما لا يمكن من خاض البحر أن لايناله البلل كذلك لا يمكن من دخل في أمور الدنيا أن لا يتدنس‏)‏‏.‏
المثال السابع من ذلك
مثل من حصل في الدنيا كمثل ضيف دُعي إلى مائدة ومن عادة المضيف أنيزين داره للأضياف ويدعو إليها قوماً بعد قوم وفوجاً بعد فوج ويضع بين يدي أضيافهطبقاً من ذهب مملوءاً بالجوهر ومجمرة من فضة من عود وبخور ليتطيبوا ويتبخرواوينالهم طيب رائحتها ثم يعاودون الطبق والمجمرة بحالهما لمالكهما ليدعو غيرهم كمادعاهم‏.‏
فمن كان عاقلاً عارفاً برسم الدعوات وضع من ذلك البخور على الناروتطيب وانصرف ولم يطمع أن يتناول الطبق والمجمرة وتركهما بطيبة من قلبه وشكر لصاحبالبيت وربه‏.‏
ومن كان أبله أحمق توهم أن ذلك الطبق والمجمرة قد أعدا له وهميريدون أن يهبوهما له فلما همّ بالخروج أخذ الطبق والمجمرة فلم يمكن من الخروج بهماواستعادوهما منه فضاق صدره وتعب قلبه وطلب الأقالة إذ ظهر ذنبه فالدنيا كمثل طريقالمسافر ودار الضيافة ليتزودوا منها لطريقهم ولا يطمعوا في الدار‏.‏
المثال الثامن
مثل أهل الدنيا واشتغالهم بأشغالهم واهتمامهم بأحوالها ونسيانالآخرة وإهمالها كمثل قوم ركبوا مركباً في البحر فعدلوا إلى جزيرة لأجل الطهارةوقضاء الحاجة فنزلوا إلى الجزيرة والملاّح يناديهم لا تطيلوا المكث لئلا يفوت الوقتولا تشتغلوا بغير الوضوء والصلاة فإن المركب سائر فمضوا وتفرّقوا في الجزيرةوانتشروا في نواحيها فالعقلاء منهم لم يمكثوا وشرعوا في الطهارة وعادوا إلى المركبفأصابوا الأماكن خالية فجلسوا في أطهر الأماكن وأوفقها وأرفعها‏.‏
ومنهم قوم نظروا إلى عجائب تلك الجزيرة ووقفوا يتنزهون في زهرتهاوثمارها وروضاتها وأشجارها ويسمعون طيب ترنّم أطيارها ويتعجبون من حصبائها الملونةوأحجارها فلما عادوا إلى المركب لم يجدوا موضعاً ولا رأوا متسعاً فقعدوا في أضيقمواضعه وأظلمها‏.‏
ومنهم قوم لم يقنعوا بالنزهة ولم يقتصروا على الفرجة لكنهم جمعوا منتلك الحصباء الملونة ثم حملوها معهم إلى المركب فلم يجدوا مكاناً ولا فرجة فقعدوافي أضيق المواضع وحملوا ما استصحبوا من تلك الأحجار على أعناقهم فلم يمض إلا يوم أويومان حتي تغيرت ألوان تلك الأحجار واسودت وفاح منها أكره رائحة ولم يجدوا مخلصاًمن الزحام ليلقوا ثقلها عن أعناقهم فندموا على ما فعلوا وحصلوا بثقل الأحجار علىأعناقهم إذ كانوا بتحصيلها اشتغلوا‏.‏
ومنهم قوم وقفوا مع عجائب تلك الجزيرة وتنزهوا وفي الرجوع لميتفكروا حتى سار المركب فبعدوا عنه وانقطعوا في أماكنهم وتخلفوا إذ لم يصيحوا إلىالمنادي ولم يسمعوا فمنهم من أكلته السباع وتهشه الضباع‏.‏

openquran(15,107,107)”{‏ذلك بِأنهم اِستحَبُواالحَياة الدُنيا على الآخرةِ‏}‏ أي ركنوا إليها‏.‏

وأما الجماعة المتوسطون فهم العصاة الذين حفظوا أصل الإيمان لكنهملم يكفوا أيديهم عن الدنيا فمنهم من تمتع بغناه ونعمته ومنهم من تمتع مع فقرهوحاجته إلى أن غلبت أوزارهم وكثرت أوساخهم وأو

المزيد


التبر المسبوك في نصيحة الملوك… الحلقة الثانية

نوفمبر 20th, 2007 كتبها سعيد حفضان نشر في , التبر المسبوك

 أصول العدل والإنصاف عشرة
 الأصل الأول
من ذلك هو أن تعرف أولاً قدر الولاية وتعلم خطرها فإن الولاية نعمةمن نعم الله عز وجل من قام بحقّها نال من السعادة ما لا نهاية له ولا سعادة بعدهومن قصّر عن النهوض بحقها حصل في شقاوة لا شقاوة بعدها إلا الكفر بالله تعالى‏.‏
والدليل على عظم قدرها وجلالة خطرها ما روي عن رسول الله صلى اللهعليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏عدل السلطان يوماً واحداً أحب إلى الله من عبادة سبعينسنة‏)‏‏.‏
وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏إذا كان يوم القيامة لا يبقى ظل ولاملجأ إلا ظل الله ولا يستظل بظله ألا سبعة أناس‏:‏ سلطان عادل ي رعيته وشاب نشأ فيعبادة ربه ورجل يكون في السوق وقلبه في المسجد ورجلان تحابا في الله ورجل ذكر اللهفي خلوته فأذرى دمعه من مقلته ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال ومال إلى نفسها فقالإني أخاف الله وجل يتصدق سراً بيمينه ولم تشعر بها شماله‏)‏‏.‏
وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏أحب الناس إلى الله تعالى وأقربهمإليه السلطان العادل وأبغضهم إليه وأبعدهم منه السلطان الجائر‏)‏‏.‏
وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏والذي نفس محمد بيده إنه ليرفعللسلطان العادل إلى السماء من العمل مثل عمل جملة الرعية وكل صلاة يصلّيها تعدلسبعين ألف صلاة‏)‏‏.‏
فإذا كان كذلك فلا نعمة أجلّ من أن يعطى العبد درجة السلطنة ويجعلساعة من عمره بجميع عمر غيره ومن لم يعرف قدر هذه النعمة واشتغل بظلمه وهواه يخافعليه أن يجعله الله من جملة أعدائه‏.‏
ومما يدلّ على خطر الولاية ما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلىالله عليه وسلم أتى بعض الأيام فلزم حقه باب الكعبة وكان في البيت نفر من قريشفقال‏:‏ ‏(‏يا سادات قريش عاملوا رعاياكم وأتباعكم بثلاثة أشياء‏:‏ إذا سألوكمالرحمة فارحموهم وإذا حكموكم فاعدلوا فيهم واعملوا بما تقولون فمن لم يعمل بهذافعليه لعنة الله وملائكته لا يقبل الله منه فرضاً ولا نفلاً‏)‏‏.‏
وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏من حكم بين إثنين بظلم فلعنة اللهعلى الظالمين‏)‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ثلاثة لا ينظر الله إليهم‏:‏ سلطانكجائز كاذب وشيخ زانٍ وفقير متكبر يعني أنه متكبر للطمع‏)‏‏.‏
وقال عليه الصلاة والسلام يوماً للصحابة‏:‏ ‏(‏سيأتي عليكم يومتفتحون فيه جانبي الشرق والغرب ويصير في أيديكم وكل عمال تلك الأماكن في النار إلامن اتقى الله وسلك سبيل التقوى وأدّى الأمانة‏)‏‏.‏
وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ما من عبد ولاّه الله أمر رعيةفغشهم ولم ينصح لهم ولم يشفق عليهم الا حرَم الله عليه الجنة‏)‏‏.‏
وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏من ولَي أمور المسلمين ولم يحفظهمكحفظة أهل بيته فقد تبوأ مقعده من النار‏)‏‏.‏
وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏رجلان من أمتي يحرمان شفاعتي‏:‏ ملكظالم ومبتدع غال في الدين يتعدى الحدود‏)‏‏.‏
وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏أشدّ الناس عذاباً يوم القيامةالسلطان الظالم‏)‏‏.‏
وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏خمسة قد غضب الله عليهم إن شاء أمضىغضبه ومقرهم النار‏:‏ أمير قوم يطيعونه يأخذ حقه منهم ولا ينصفهم من نفسه ولا يرفعالظلم عنهم ورئيس قوم يطيعونه ولا يساوي بين القوي والضعيف ويحكم بالميل والمحاباةورجل لا يأمر أهله وأولاده بطاعة الله ولا يعلمهم أمور الدين ولا يبالي من أينأطعمهم ورجل استأجر أجيراً فتمم عمله ومنعه أجرته ورجل ظلم زوجته في صداقها‏)‏‏.‏
ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تبع يوماً جنازة فتقدم رجلفصلى عن الجنازة فلما دفن الميت وضع ذلك الرجل يده على القبر وقال‏:‏ اللهم إنعذبته فبحقك لأنه عصاك وأن رحمته فإنه فقير إلى رحمتك وطوبي لك أيها الميت إن لمتكن أميراً أو عريفاً أو كابتاً أوعوانياً أو جابياً‏.‏
فلما تكلم بهذه الكلمات غاب شخصه عن عيون الناس فأمر عمر بطلبه فلميوجد فقال عمر‏:‏ هذا الخضر عليه السلام‏.‏
وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ويل للأمراء وويل للعرفاء وويلللعوانية فإنهم أقوام يعلقون من السماء بذوائبهم في القيامة ويسحبون على وجوههم إلىالنار يودون لو لم يعلموا عملاً قط‏)‏‏.‏
وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ما من رجل ولي أمر عشرة من الناسإلا وجيء به يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه فإن كان عمله صالحاً فكّ الغل عنهوإن كان عمله سيئاً زيد عليه غل آخره‏)‏‏.‏
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ ويل لقاضي الأرض من قاضيالسماء حين يلقاه إلا من عدل وقضى بالحق ولم يحكم بالهوى ولم يمل مع أقاربه ولميبدل حكماً لخوف أو طمع لكن يجعل كتاب الله مرآته ونصب عينيه ويحكم بما فيه‏.‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يؤتى بالولاة يوم القيامةفيقول الله جلّ وعلا‏:‏ ‏(‏أنتم كنتم رعاة خليقتي وخزنة ملكي في أرضي‏)‏‏.‏
ثم يقول لأحدهم‏:‏ ‏(‏لم ضربت عبادي فوق الحد الذي أمرت به‏)‏‏.‏
فيقول‏:‏ يا رب لأنهم عصوك وخالفوك‏.‏
فيقول جلّ جلاله‏:‏ ‏(‏لا ينبغي أن يسبق غضبك غضبي‏)‏‏.‏
ثم يقول للآخر‏:‏ ‏(‏لم ضربت عبادي أقل من الحد الذي أمرت به‏)‏فيقول‏:‏ يا رب رحمتهم‏.‏
فيقول تعالى‏:‏ قال حذيفة بن اليمان‏:‏ أنا لا أثني على أحد منالولاة سواء كان صالحاً أو غير صالح لأني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلميقول‏:‏ ‏(‏يؤتي بالولاة العادلين والظالمين يوم القيامة فيوقفون على الصراط فيوحيالله إلى الصراط أن ينفضهم إلى النار مثل من جار في الحكم أو أخذ رشوة على القضاءأو أعار سمعه لأحد الخصمين دون الآخر فيسقطون من الصراط فيهوون سبعين سنة في النارحتى يصلوا إلى قرارها‏)‏‏.‏
وقد جاء في الخبر أن داود عليه السلام كان يخرج ليلاً متنكراً بحيثلا يعرفه أحد وكان يسأل كل من يلقاه عن حال داود سراً فجاءه جبريل في صورة رجل فقالله داود‏:‏ ما تقول في داود فقال‏:‏ نعم العبد إلا أنه يأكل من بيت المال ولا يأكلمن كدّه وتعب يديه‏.‏
فعاد داود إلى محرابه باكياً حزيناً وقال‏:‏ إلهي علمني صنعة آكلبها من كدي وتعب يدي‏.‏
فعلمه الله تعالى صنعةالزرد‏.‏
وكان عمر بن الخطاب يخرج كل ليلة يطوف مع العسس حتى يرى خللاًيتداركه وكان يقول‏:‏ لوتركت عنزاً جرباء على جانب ساقية لم تدهن لخشيت أن أسئلعنها في القيامة‏.‏
فانظر أيها السلطان إلى عمر مع احتياطه وعدله وما وصل أحد إلى تقواهوصلاته كيف يتفكر ويتخوف من أهوال يوم القيامة وأنت قد جلست لاهياً عن أحوال رعيتكغافلاً عم أهل ولايتك‏.‏
قال عبد الله بن عمر وجماعة من أهل بيته‏:‏ كنا ندعو الله أن يريناعمر في المنام فرأيته بعد أثني عشر كأنه قد اغتسل وهو متلفع فقلت‏:‏ يا أميرالمؤمنين كيف وجدت ربك وبأي حسناتك جازاك فقال‏:‏ يا عبد الله كم لي منذ فارقتكفقلت‏:‏ إثنتا عشرة سنة‏.‏
فقال‏:‏ منذ فارقتكم في الحساب وخفت أن أهلك إلا أن الله غفور رحيمجواد كريم‏.‏
فهذا حال عمر ولم يكن له من دنياه شيء من أسباب الولاية سوى درة‏.‏
حكاية‏:‏ أرسل قيصر ملك لروم رسولاً إلى عمر بن الخطاب لينظر أحوالهويشاهد فعاله فلما دخل المدينة سأل أهلها وقال‏:‏ أين ملككم قالوا‏:‏ ليس لنا ملكبل لنا أمير قد خرج إلى ظاهر المدينة‏.‏
فخرج الرسول في طلبه فوجده نائماً في الشمس على الأرض فوق الرملالحار وقد وضع درته كالوسادة تحت رأسه والعرق يسقط منه إلى أن بل الأرض فلما رآهعلى هذه الحالة وقع الخشوع في قلبه وقال‏:‏ رجل تكون جميع ملوك الأرض لا يقر لهمقرار من هيبته وتكون هذه حالة ولكنك يا عمر عدلت فأمنت فنمت وملكنا يجور لا جرم أنهلا يزال ساهراً خائفاً‏.‏
أشهد أن دينكم لدين الحق ولولا أني أتيت رسولاً لأسلمت ولكن سأعودبعد هذا وأسلم‏.‏
أيها السلطان خطر الولاية عظيم وخطبها جسيم والشرح في ذلك طويل ولايسلم الوالي الا بمقارنة عملاء الدين ليعلموه طرق العدل ويسهلوا عليه خطر هذاالأمر‏.‏
أن يشتاق أبداً إلى رؤية العلماء ويحرص على استماع نصحهم وأن يحذرمن علماء السوء الذين يحرصون على الدنيا فإنهم يثنون عليك ويغرونك ويطلبون رضاكطمعاً فيما في يديك من خبث الحطام ووبيل الحرام ليحصلوا منه شيئاً بالمكر والحيل‏.‏
والعالم هو الذي لا يطمع فيما عندك من المال ومنصفك في الوعظوالمقال‏.‏
كما يقال أن شقيقاً البلخي دخل على هارون الرشيد فقال له‏:‏ أنتشقيق الزاهد فقال‏:‏ أنا شقيق ولست بزاهد‏.‏
فقال له‏:‏ أوصني‏.‏
فقال‏:‏ إن الله تعالى قد أجلسك مكان الصديق وأنه يطلب منك مثل صدقةوأنه أعطاك موضع عمر بن الخطاب الفاروق وأنه يطلب منك الفرق بين الحق والباطل مثلهوأنه أقعدك موضع عثمان بن عفان ذي النورين وهو يطلب منك مثل حيائه وكرمه وأعطاكموضع علي بن أبي طالب وهو يطلب منك مثل العلم والعدل كما يطلب منه‏.‏
فقال له‏:‏ زدني من وصيتك‏.‏
فقال‏:‏ نعم‏.‏
اعلم أنا لله تعالى داراً تعرف بجهنم وأنه قد جعلك بواب تلك الداروأعطاك ثلاثة أشياء بيت المال والسوط والسيف وأمرك أن تمنع الخلق من دخول الناربهذه الثلاثة فمن جاء محتاجاً فلا تمنعه من بيت المال ومن خالف أخر ربه فأدبهبالسوط ومن قتل نفساً بغير حق فاقتله بالسيف بإذن ولي المقتول فإن لم تفعل ما أمركفأنت الزعيم لأهل النار والمتقدم إلى البوار‏.‏
فقال له‏:‏ زدني‏.‏
فقال‏:‏ إنما مثلك كمثل معين الماء وسائر العلماء في العالم كمثلالسواقي فإذا كان المعين صافياً لا يضر كدر السواقي وإذا كان المعين كدراً لا ينفعصفاء السواقي‏.‏
حكاية

openquran(44,21,21)(‏أم حَسِبَ الذين إجتَرحوُا السيئَات أن نجَعلُهُم كالذِينَ آمنَوُاوعَمِلوُا الصَالِحاتِ‏)‏ ومعناها‏:‏ أيظن الذين اكتسبوا الخطاياويعملون
المزيد


التبر المسبوك في نصيحة الملوك… الحلقة الأولى

نوفمبر 19th, 2007 كتبها سعيد حفضان نشر في , إسلاميات, التبر المسبوك

التبر المسبوك في نصيحة الملوك
 حجة الإسلام أبو حامد محمد الغزالي الطوسي الشافعي 
جمع فيه مؤلفه نصائح للملوك والولاة شملت على أصول الدين ويمتاز أسلوب الغزالي بسهولة الأداء وغزارةالمعنى
 
  • المزيد