منير شفيق: المتغيّرات السياسية عام 2007

يناير 20th, 2008 كتبها سعيد حفضان نشر في , استراتيجيات

المتغيّرات السياسية عام 2007

منير شفيق*

      مع نهاية العام 2007 وبداية سنة 2008، لا بد لنا من أن ندلو بدلونا، كما غيرنا كثيرون، في قراءة أهم الأحداث لا سيّما تلك التي ختمت مرحلة سابقة، وتلك التي تؤشر إلى بداية مرحلة جديدة.
     أهمية العام 2007 كونه العام الأخير عملياً في عهدي إدارة الرئيس الأميركي من حيث الفاعلية وإنفاذ الاستراتيجية التي وضعها المحافظون الجدد. أما عام 2008 فسيكون نـهاية عهدي بوش وبداية عهد رئيس أميركي جديد مع الإنتخابات الرئيسية الأميركية التي ستشهدها أواخره.
     إذا لم تسرق إدارة بوش الأربعة أو الخمسة أشهر الأولى من عام 2008 لشنّ حرب (عدوان) على إيران فسيكون عملها خلال العام 2008 عملاً في الوقت الضائع، أو في خدمة تحسين وضعية الحزب الجمهوري في الإنتخابات الرئاسية والنصفية (للكونغرس) القادمة. وهذا يعني أننا ما زلنا أمام سؤال هل احتمال شن حرب على إيران ما زال قائماً أو ما زال الأقوى، أم وجّه إليه التقرير الذي صدر عن 16 جهاز إستخبارات الضربة القاضية حين أكد ان إيران توقفت منذ عام 2003 عن سعيها لامتلاك القدرة العسكرية النووية.
      فمن قالوا بهذا الرأي الأخير أضافوا إليه مجموعة من الأدّلة الأخرى (وكلّها قوية ووجيهة) لاستبعاد احتمال شن الحرب. ولكن عليهم أن يأخذوا بعين الإعتبار زيارة رئيس الأركان الأميركي إلى الكيان الصهيوني واجتماعاته الطويلة بباراك وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي. فرئيس الأركان الأميركي لا يقوم بمهام ديبلوماسية!
      أمّا العامل الذي يسمح بتحدّي هذا الترجيح القوي والقوي جداً فهو وزن القرار الإسرائيلي المزدوج: الإسرائيلي في الكيان الصهيوني، والإسرائيلي الأميركي في الولايات المتحدة  الأميركية، وفي  داخل  إدارة  بوش  والكونغرس (اللوبي  الإسرائيلي   والمحافظون الجدد). لأن احتمال غلبة هذا القرار على ترجيح احتمالات الحرب يجب ألاّ يستهان به. فكل  استراتيجية  إدارة بوش في عهديها  وضعت في خدمة المشروع  الإسرائيلي وأهدافه في منطقتنا.
      ومن هنا فإن التجربة العملية مع هذه الإدارة تفرض أن يبقى احتمال الحرب راجحاً. ومن ثم يجب ألاّ تنام يقظة إيران، وألاّ تتوانى الدول العربية والإسلامية وغالبية دول العالم في الضغط ضد الحرب، وهذا من شروط تعزيز الاحتمال الأول أي تجنب الحرب.
      وبالمناسبة، ان دائرة استخبارات الجيش الإسرائيلي (أمانا) وإلى جانبها الموساد يبذلان الآن الجهود القصوى لدحض تقرير الإستخبارات الأميركية. وقد وصل الأمر إلى حد القول إذا تخلت أميركا عن شن الحرب فالكيان الصهيوني يجب أن يفكر بشنها وحده. وهنالك من يرى الإخراج، في حالة وجود معارضة قوية أميركية داخلية، من قِبل أنصار الحرب داخل الإدارة الأميركية والكونغرس، هو أن يبادر الجيش الصهيوني بها ثم تتدخل أميركا في حالة الرد عليه.
      طبعاً ان المعادلة التي ستتكوّن على كل المستويات في حالة شن هذه الحرب العدوانية على إيران ستضع بصماتها على الوضعين الإقليمي والدولي كما على الملفات المختلفة المفتوحة من أفغانستان إلى العراق إلى لبنان إلى فلسطين إلى السودان والصومال بل ستفتح ملفات أخرى فوراً. فأبعاد النتائج التي ستحملها هذه الحرب قد تأتي أكبر من أي حرب وقعت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
      لا حاجة إلى أن نخوض في تداعيات نتائج هذه الحرب في الحالتين أو ما بينهما من حالات. وإن كان الترجيح الأقوى يقطع بهزيمة العدوان على إيران. ففرص أميركا والكيان الصهيوني في كسب هذه الحرب والخروج منها بانتصار تكاد تكون معدومة. فمن جهتهما لا يملكان غير القصف الجوي والصاروخي. أي التدمير من بعيد دون أي إمكان لحسمٍ على الأرض، كما حدث في العدوان على العراق. الأمر الذي سيترك المبادرة بيد إيران لتقرير كيفية الرد وأمده واتسّاعه، وكيفية إنهائه. ففي العراق لم تحسم الحرب من خلال الصاروخ والطائرة. وحتى يوغوسلافيا لم تستسلم إلاّ بعد أن تخلى عنها حليفها الروسي وصدرت الأوامر لتحريك الدبابات على الأرض.
      لكن في كل الأحوال حتى مع هزيمة أميركا والكيان الصهيوني في عدوانهما فإن تجنب الحرب ومنعها هو الخيار المفضل الذي يجب العمل من أجله رسمياً وشعبياً.
      أما إذا تخلت إدارة بوش عن الحرب وأجّلتها بالإتفاق مع الكيان الصهيوني للإدارة الأميركية القادمة فلَن تكون خلال عام 2008 قادرة على إنجاز أي عمل ملموس خصوصاً في مجال القضية الفلسطينية لأنها ستصبح أشد حاجة إلى إسترضاء اللوبي الأميركي الإسرائيلي، والحكومة الإسرائيلية من أجل الإنتخابات الرئاسية الجمهورية القادمة. وهذا ما سيترك مصير المفاوضات التي وعد بها مؤتمر أنابوليس كلياً بيد الحكومة الإسرائيلية، وبعيداً من أدنى الضغوط الأميركية، بل سيزيد من الضغوط على المفاوض الفلسطيني للغرض نفسه. وبكلمة، ستكون إدارة آفلة محكومة بمعادلة الإنتخابات في أميركا.
      على أن المتغيّر الأهم على المستوى الدولي خلال العام 2007 فقد كان من نصيب روسيا حيث انتقل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ خطابه الاستراتيجي في مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي في شباط/فبراير 2007 إلى الهجوم على استراتيجية النظام العالمي ذي القطب الأوحد، معلناً، ان روسيا هنا. ولم يعد من الممكن معاملتها كما كان الحال بعد انهيار الإتحاد السوفياتي وحلف وارسو. فقد حدّد هدفاً للسياسة الروسية وهو الحفاظ على التوازن الاستراتيجي العسكري بين روسيا والولايات المتحدة. أي الهدف نفسه الذي كان مطبّقاً زمن الإتحاد السوفياتي.
      فروسيا التي ورثت كل ما خلفه الإتحاد السوفياتي من قدرات استراتيجية صاروخية ونووية وعسكرية عموماً عادت الآن دولة قوية متماسكة. وتخلصت من حالة التفكك والإنهيار والإنحلال، التي أورثها إياه عهد يالتسين.
      لقد أفاد فلاديمير بوتين حتى الحد الأقصى من السنوات الست التي انشغلت فيها إدارة بوش في حروبها ومعاركها "الشرق أوسطية". وقد اقتضى ذلك من أميركا أن تهادنه وتسكت عما راح يفعله من إعادة بناء الدولة الروسية، بما في ذلك تصفية مراكز القوى الصهيونية والأميركية التي استشرت في عهد يالتسين وراحت تنخر في الإتحاد الروسي نخراً. 
      وهنا يمكن أن يضاف، وحتى بسبب استراتيجية إدارة بوش، ما حدث من ارتفاع هائل لأسعار النفط. مما سمح لبوتين أن ينعش الإقتصاد الروسي ويسدّد ديونه ويمتلك وفراً يقدّر ببضع مئات من بلايين الدولارات (بين 350 - 500).
      ومنذ ذلك الخطاب الذي لم تقدّره إدارة بوش حق قدره في حينه واستمرت في استراتيجيتها المقلوبة أولوياتها على رأسها، اتخذ بوتين مجموعة من الخطوات التي تكرّس استراتيجيته الجديدة وتعطيها المصداقية. فقد عزز القدرات الجوّية الروسية بقاذفات وصواريخ متطورة، واستأنف الطلعات الإستراتيجية لطائراته فوق المحيطيْن الأطلسي والهادي ووضع السفن الروسية تحت حمايتها. بل وأعاد الأساطيل البحرية الروسية إلى أعالي البحار والمحيطات، فمع خواتيم عام 2007 أجرى مناورة عسكرية بحرية امتدت من

المزيد


دراسة استراتيجية:أين مقتل أميركا؟!

أغسطس 15th, 2007 كتبها سعيد حفضان نشر في , أمريكا, استراتيجيات

أين مقتل أميركا؟!

أكثر من خمسة قرون على اكتشاف «العالم الجديد» ونحو أربعمائة سنة على إنشاء أول مستعمرة بريطانية على الشاطئ الشرقي للقارة الأميركية (جيمستون 1607) وأول جمعية تمثيلية للسكان (1619) مهدت للتعاون ومن ثم للاتحاد، وحوالي 360 سنة على تشييد أهم صرح جامعي في العالم (هارفرد 1636)، ونحو 220 سنة على الاستقلال (1783) ومن ثم اعلان الدستور (1789) وانبثاق مجلسي الشيوخ والنواب عنه واجتياز الحرب الأهلية (1865) وتعزيز سلطة الدولة الاتحادية وفرض الأنظمة على كل الولايات.

كل هذا وما نراه اليوم من قوة وجبروت وهذه الدولة وتفوقها العلمي والتقني والصناعي والعسكري والاقتصادي والفكري والسياسي، بحيث جعلت كل أقطار وحكومات الأرض تحت سيطرتها الكاملة أو شبه الكاملة، يؤكد أن الرواد الأوائل من العالم الأوروبي القديم الى هذا العالم الجديد لم يكونوا فقط من المغامرين والرعاة والباحثين عن الثروة، بل كان الكثيرون منهم، أفراداً وجماعات ممن يتمتعون بالعبقرية ودقة التخطيط وحسن التفكير، مع العزم والتصميم على الوصول الى ما وصلوا إليه في مطلع القرن الواحد والعشرين والذي بشرت مع بداياته، الادارة «البوشية» العتيدة بأسوإ الحروب وأشدها قسوة ورعباً ودماراً وصلافة وإطالة أمد

ومنذ البداية جعلوا الانكليزية لغتهم الأساسية، مع أمركتها، بحيث جمعت كل اللهجات، ولم يشغل بالهم صرف ولا نحو ولا قواعد، وإنما صرفوا كل اهتمامهم نحو مصالحهم الحياتية وعملوا على إنشاء قواعد فكرية (جامعات) وصحية (مستشفيات) وعسكرية، في أنحاء العالم المختلفة بتأن وروية.

وجعلت هذه البلاد المترامية الأطراف بكل الموارد الطبيعية: من الغابات الشاسعة الى الجبال والأنهار والسهول وما تختزنه من المعادن المختلفة: ذهباً وفضة وحديداً وبترولاً، الوافدين إليها ينعمون بهذه الثروات بهدوء وسكينة، مع العمل الدائب للتطبيق الدقيق لكل ما يفكرون به ويسعون إليه، فعرفوا كيف يستفيدون من نظرياتهم التي جنوا ثمارها، كما نراها ويراها العالم، إذ كان العمل مقدساً عندهم، ما أدى الى تمتعهم بالثروات الطائلة ما ساعدهم على التفرغ للتخطيط بطريقة دقيقة ومتقنة. لكن كل هذا لم يكن بالطرق  الشريفة أو الأخلاقية السليمة وهذا يبينه المؤرخ الأميركي الجريء والبحاثة الاجتماعي المدقق كافين رايلي في كتابه «الغرب والعالم» وهو من أهم المصادر العلمية الموثوقة التي تكشف خفايا السياسة الأميركية ودوافعها وتواجهاتها الحقيقية. فعن تشكيلة السكان يقول في القسم الأول ص 571: «إن أكثر الأميركيين البيض ينحدر من القبائل البربرية التي اجتاحت روما وأوروبا من سهوب آسيا»، ويتابع في الصفحة 771 «كانوا همجاً وعنيفين وبدائيين» أما عن المستوطنات فيقول في القسم الثاني من الكتاب ص 501: «ان هذه المستوطنات ازدهرت بفضل إبادة السكان الأصليين من الهنود الحمر»، أما حقيقة تحرير العبيد وحرب الشمال على الجنوب فيفسرها في القسم الثاني ص 252 بالقول: «لقد شن الشمال الحرب، لا لأن العبودية عنصرية، بل لأن الرق كان جزءاً من نظام اقطاعي أبوي (في الجنوب) يتعارض مع تقدم اقتصاد الأعمال التنافسي الجديد، ولقد دافع لنكولن عن الاحتياجات المادية للاقتصاد الجديد بلغة اخلاقية، اذ كانت الشركات الصناعية الجديدة تتطلب عمالة حرة ووفيرة وبلداً موحداً وحكومة اتحادية مركزية». أما الرئيس ويلسون صاحب المبادئ الأربعة عشر الشهيرة بعد الحرب العالمية الأولى والذي تنسب إليه صفات إنسانية نبيلة فقال عنه في الصفحة 442: «إنه أصدر أمراً تنفيذياً بعزل البيض عن السود في مرافق دورات المياه العامة المخصصة للعاملين في مجال الوظائف الحكومية الفدرالية».

ويتابع في الصفحة 652: «والأميركيون البيض كانوا وما زالوا عنصريين». ومراجعة بعض الأحداث في تلك البلاد تعطي فكرة واضحة عن تطورها وتقدمها المذهل في المجالات المختلفة، والوسائل المستعملة في الوصول الى ما رموا اليه.

شراء المستعمرات والاستيلاء عليها

لقد قدروا وعرفوا واهتموا بعملتهم الجديدة «الدولار» وزاحموا به النقدين «الذهب والفضة وكل العملات العالمية وأضحى العملة العالمية الأولى في عصرنا، وقد أحسنوا استعمال هذه العملة. فبينما كان نابليون مزهواً بانتصاراته وثيابه وأوسمته العسكرية، ومتحفزاً لقتال الإنكليز، باع موفدي الرئيس جفرسون مستعمرة لويزيانا  التي كان قد أجبر ملك أسبانيا على إعادتها لفرنسا قبل ثلاث سنوات بخمسة عشر مليون دولار. ثم اشتروا من المكسيك أراضي تكساس وكاليفورنيا ونيومكسيكو بخمسة ملايين دولار فقط، وبعد ذلك «ألاسكا» من قياصرة روسيا بسبعة ملايين ومائة ألف دولار. واشترى اليهود من الرفيق العزيز بريجنيف كنيسة أورثوذكسية في فلسطين بصفقة من البرتقال.

الاهتمام بالاختراعات

وتجلت عبقريتهم في التوجه نحو الاعتماد على الاختراعات فوضعوا لها القواعد والقوانين التي تساعد على الإفادة منها، وما زالوا كذلك، فعلى رغم وصولهم لأعلى مراتبها، أعلنوا في ربيع العام 2000 أنهم مستعدون لشراء الأدمغة، أي لبذل المال بسخاء لأصحاب الأفكار النافعة والمفيدة، لأن أي كلمة قد تفيدهم من أي إنسان في الوصول مع التجارب إلى ما يحلمون به أو لا يتصورونه عملاً بالمثل الشعبي عندنا «مجنون يحكي وعاقل يفهم» فهم لا يهزؤون. والتجارب والأبحاث هي التي توصل الى النتائج المرجوة أو الاخفاق، لذلك اهتموا بإنشاء المصانع في أنحاء البلاد حتى لا تبقى الأفكار خيالية من دون تطبيق. وكان التنسيق والتعاون رديفي كل خطوة تخطوها هذه الادارات بواسطة الشركات وفي شكل دقيق ومنظم ومدهش، فسجل ما بين 1860 1890 أربعمائة وأربعين ألف براءة اختراع لحفظ الحقوق والتشجيع على متابعة البحث والابتكار. واتخذوا من نيويورك عاصمة للمال وبترسبرغ عاصمة للصلب.

الاهتمام بالعالم الخارجي

كان تفكيرهم يمتد الى أبعد من حدود هذه الولايات الشاسعة الأطراف ما بين المحيطين الهادئ في الشرق والأطلسي في الغرب اللذين يحيطان بها. وهذا لم يمنعهم من العبور الى أبعد من ذلك بكثير. فاجتازوا المحيط الأطلسي والقارة الأوروبية والمتوسط وحطوا رحالهم في بيروت وأنشؤوا الجامعة الأميركية فيها وبعد ذلك جامعتي اسطنبول والقاهرة، ما جعل لهم صلة وثيقة بالعالم الخارجي بالاضافة الى المستشفيات والإرساليات الدينية، والتي تمهد للسيطرة على العالم. وجعلتهم الأموال الطائلة التي جنوها يفكرون بهدوء وبراعة في ما يخططون ويرمون إلى تحقيقه معتمدين على مؤسسات واسعة الصلاحيات مع دعم مادي لامحدود.

سبب الاشتراك في الحرب العالمية الأولى والثانية

كان السبب الحقيقي للتردد الذي أبداه الرئيس الأميركي ويلسون للاشتراك في الحرب العالمية الأولى وقوله: «إنه لمن الخطر الشديد اخضاع السياسة الخارجية لدولة ما للمصالح المادية»، هو المصالح  المادية وليس غيرها كما ادعى. فمصانع السلاح كانت تزود المتحاربين، وبخاصة البريطانيين، بالسلاح الذي يريدونه. لذلك رد الألمان والنمساويون بإرسال العملاء أو الفدائيين أو الإرهابيين، لنشر الرعب في طول البلاد الأميركية وعرضها من العام 1915، ينسفون مصانع السلاح ويثيرون الحرائق ويضعون القنابل الموقوتة في السفن التجارية لعرقلة المجهود الحربي لأعدائهم. وعلى الرغم من كل ما حصل لم يستفز ويلسون وإدارته، ولم يعلن الحرب على الألمان إلا عندما شعر في نهاية الحرب أنها ستطال الأميركيين في بلادهم وتدمر اقتصادهم، وذلك اثر اتصال الألمان بحكومة المكسيك طالبين التحالف معها مؤملين إياها بإعادة المستعمرات التي تنازلت عنها للولايات المتحدة سنة 1848 بثمن بخس مع حثها على الاتصال باليابان والتفاهم معها حول موضوع الحرب. وبعد أن أغرق الألمان الباخرة «فيجلانسيا» في اذار ـ مارس ـ 1917 أعلن ويلسون  «أن حرب الغواصات الألمانية ضد التجارة هي حرب ضد الأمم». لذا لم تدخل الولايات المتحدة الحرب لأسباب إنسانية ولا أخلاقية ولا دينية فالعبارة واضحة «للتجارة» أي المصلحة الاقتصادية. وبعد نهاية الحرب انكفأت على نفسها في عزلة تأمل وتفكير ومراجعة حسابات وإعادة تخطيط.

أما في الحرب الكونية الثانية فقد طلب الرئيس فرانكلين روزفلت من مجلس الشيوخ في سنة 1939 تعديل «قانون الحياد» لبيع السلاح للدول المتحاربة شرط أن تدفع ثمنه نقداً وأن تتولى نقله. فالحصول على المال والمصلحة الاقتصادية المادية هما الدافع لتعديل قانون الحياد. ثم دخلت الحرب العام 1941 الى جانب الحلفاء بعد الهجوم الياباني الصاعق على «بيرل هاربر» وحصدت نتيجة الحرب واحتضنت هيئة الأمم ومجلس أمنها والهيئات التابعة لها ووجدت أوروبا نفسها تحت سيطرة اقتصادية مع «مشروع مارشال» وعسكرية أميركية مع الحلف الأطلسي، ونتيجة الحروب الهوجاء التي أشعلتها. لكن أميركا وجدت نفسها أمام عدو جديد عنيد متسلح بعقيدة شيوعية اشتراكية له أتباع ومؤيدون في مختلف أرجاء العالم المختلفة، مما جعلها تستنفر كل أجهزتها لمواجهة هذا الخطر الجدي، إلى أن تفكك الاتحاد السوفياتي في أوائل العقد الأخير من القرن الماضي. ومع نهايته أصبحت أميركا سيدة العالم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، مستعملة كل امكاناتها في المجالات المختلفة وكما تراه مناسباً لها.

- مقتل أميركا الأول: التخوف الدائم من عمليات إرهابية:

قامت الإدارة الأميركية بالتحذير الدائم من حصول عمليات إرهابية في الولايات المتحدة ومن خطر الجمرة الخبيثة، التي بقيت سراً مبهماً لم يكشف عنه، أو استعمال الأسلحة الجرثومية، ما جعل أكثرية الأميركيين في حالة عصبية وتوتر متواصل خوفاً على المستقبل، وهذا ما جعلهم يفكرون بغير  الهدوء الذي كانوا ينعمون به، ومن ذلك أن رئيس وكالة المخابرات الأميركية حذر في 7/2/2002 من عمليات إرهابية لتنظيم القاعدة رغم اعتقال أكثر من ألف من عناصرها في أنحاء العالم المختلفة. وكانت هذه الادارة باشرت بتفكيك الشبكات المالية التابعة لهذه المنظمات والتي قدرت بثمانين مليون دولار. وفي 20/3/2002 طلب ا

المزيد